كتب

Samedi 16 octobre 6 16 /10 /Oct 10:05

بسم الله  الرحمان الرحيم

 

 

الإهــــــــــــداء

 

إلى ذلك البرج العالي الحصين

الذي فجّرفيّ ثورة الكلمات

ثورة البحث و الغضب

ثورة الصبر حدّ الانفجار

أقدّم هذه الصرخة الجديدة

علـّه يقبلها منّي ثائرة

غضوبة  

حدّ الشهادة

                         

 

 

                                         أبو شهيد التونسي                     

 

 

 

 

 

 

 

تقـــــــديــم

 

 

ربما تسألني من تكون ليلى فلا أستطيع أن أجيبك، فربما ليلى تكون ماء و أنت سقيم. أرح نفسك عناء البحث عن ليلى وحاول أن تقتنع بأنها جزء من آلامك و آمالك ، بيت في قصيدك ، فصل في كتابك ، نغم في لحنك.

 

ربما كذلك تكون ليلى جزء من تجربة عاطفية خاصة جدا إلا أنها تتكرر كلما أوجد الظرف لها قيسا وكانت لي ليلاي ثم رحلت لأن المحنة اشتدت أألومها أم ألوم القطار لأنه لابد له أن يسير أم ألوم قلب الثائر فكيف له أن يعشق و هو لا يقيم حتى يرتحل .

 

ثم أصبحت ليلى بعد أن رحلت هي كل شيء هي سلواي في عزلتي كالقيد و النافذة المرتفعة هي الورقة التي أكتب عليها و القلم الذي ينزف لأحيى .

 

حدثتني ليلى ذات ليلة من ليالي الجنون أن القلعة تتشقق تتزلزل و أن الأرض فتحت فـاها و ابتلعت القلعة بمن فيها إلا أنا و قصيدي ، هل ليلى ذات نبوءة صادقة ربما و ربما و لكن المهم أن ليلى و القلعة على طرفي نقيض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآهة رقــــــ( 1 )ــــــم

 

الآهة رقم (1)

** صعلوك**

 

لن أركع يا قاتلي

مهما بدا في الأفق غيم

أو بقايا من أفول

حتى الرياح تعذرت عن ركبها اليوم و صارت

في الطواحين رنينا

وتلبدت سحب السماء

حتى بدا

في الأفق ليل قاتل كي لا أقول

جاء الربيع على صراخي

 فاغر فاه

و الناي تعزف في الرعاة

وتهش أغنام الرعاة عصاك

فاكشف ذراعك

جرحك لا من ألم

ودماؤك من كده

ذاك الذي

شق الصخور

لا يبالي بالمطر

اكشف ذراعك لا تفر

ما عاد ينفعك البكاء

و قميص عثمان تعفن في الخباء

ما عاد ينفعك البكاء

كم زلزلت تحت العروش . . . لعنة قد صاغها

ذاك الذي قيل شهيد

ما كربلاء

قد أسّست في الحنين إلى الرحيل

 كيف نثور

 كم ثائرا صار الحسين     

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يا قاتلي يا قاتلي

ما عدت أبحر في الكلام

و تفجرت في بقايا رحلتي

ها إنني أطوي الفيافي

تائها في غربتي

لست الذي خلف الديار

يبكي الصباح المشرق يبكي الغدير

وحدي هنا

خلفت قبري في الصخور

وحدي هنا كي لا أقول

يا عرب إني في البداوة مرتحل

صاحت بواحتنا النخيل

صعلوك من جاء الفيافي

 قلت أنا يا قاتلي

 طين جديد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتشدني ريح الرحيل

أسرع خطاك أيها الظهر العليل

خلف أشلاء الخيانة

أسرع خطاك خبب الصخر العليل  

ما عدت أنتظر القبور

تحت الرماد شعلتي أو في السماء

يا عرب

في قمقم الأحرار ماردكم سجين

لو شاء صار ماردا ملء السماء

لو شاء باح بالذي في الصدر

يخنقه سنين

آه فتى

في جرحك الغض النّدي

كم سوسن قد مل من زيف الربيع

كم زنبق قد ارتحل

كم من عويل

كم من دموع عانقت وخز الصقيع

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرع خطاك أيها الظهر العليل

في الأفق حلمي

في الهضاب

في كفها تلك العروس

فيما تبقى من نقوش أو خضاب

في رمشة الطرف الكحيل

فيما تميّس من قدود

سيفي لها و الرمح و القرطاس

و السيل العرم

لا من ألم

ما عدت أفتض الحنين

ما عدت أرسم رحلتي فوق الرمال

قالت رمال الوادي أو قال الحصى

صعلوك من باقي البداوة مرتحل

مل القبيلة و الرياح

مل الحنين إلى السواد

 فتدثر بالليل في عمق الهجير

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرع خطاك

إني راحل

ما عاد في الأفق بريق منتظر

صرت الوحيد العازف في الليل

صرت الوحيد في القبيلة مرتهن

كرسيكم يا عرب ترفضه النخيل

قالوا فتى قد عقنا

قالوا عصا قد شقها

قالت رياح في الأصيل

صعلوك من عق القبيلة 

قلت القتيل لا محالة يا رياح

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرع خطاك

ما عاد تكفيني البداوة

صاح الهجير

ارم سلاحك و التحق بالركب

خلف كثبان الرياح

ارم كلاما جارحا

ارم اللهيب باللهب

صعلوك من باقي البداوة مرتحل

صاحت رياح

لن يرتحل

صحت الصباح

لن أرتحل

حتى أجرب في المدائن وصفتي

قالت مدائن

ملّها الصبح القديم

من يا ترى فوق السطوح

قالت سفوح

صعلوك من باقي البداوة مرتحل

لن يرتحل

حتى يشقق ما تبقى من صدور

لن يرتحل

حتى يفجر ما تبقى من قبور

لن يرتحل

لن يرتحل

عرص بقربي يا غريب

فالليل يقتله الصباح

 

الجلدة رقـــ( 01 )ــــم

 

قالت ليلى لا تنفعك الشكوى و لا يليق بمثلك أن يرى باكيا فغفرت لها زلتها تلك و أنا أبلل أوراقي بعصارة الألم . قديما كنت لا أبكي أبدا حتى و لو ضربتني أمي فقد كنت أتحصن بالفرار كي لا أضطر للبكاء  و الآن و بعد أن  اشتد عودي صرت أحن إلي الشيء المفقود إلى نغمات لم أسمعها حتى أحن إليها و لكن تصورته نقرا على دف الظلم و القهر رنينا على سلاسل جلاد ذات مساء لم أرتكب فيه خطأ حسب علمي و لكني عوقبت لا أدري لماذا اختارني السجان من دون غيري من الإسلاميين وبعد أن ألبسني لبوس القهر و أسامني سوء العذاب أيقنت بأنني المختار اليوم كي أمثل دور المستضعف .

قالت ليلى لم لا تكتب لي رسالة تبثني فيها أشواقك قلت لم لا تذهبين إلي البحر عندما يستبد بك الشوق قالت عجبا أنسيت أن مدينتنا ليست ساحلية أي ليس بها بحر قلت كذلك ليس في قلعتنا أوراق و لا أقلام قالت و لا حب قلت  هو عندنا ممتد مثل الخضرة التي تحيط مدينتكم نصنع به أحاديث السمر و نكتب به رسائل على أوراق علب السجائر ثم نحرقها قبل أن تقع تحت ناظري ناظر الغرفة فيرفع أمرها إلى السجان قالت فيكافئك على إبداعاتك ورقة مشاعرك قلت نعم يصفعني قالت هل الحب عندكم ممنوع قلت هو و الثورة في القلعة سواء . 

كم أعشق الوحدة و كم أرتاح إلى اللون الأسود أو البني و لو كان لون القلعة فعندما أراه أسرع نحوه بأي شيء حاد لأكتب على صفحته الملساء الصبر مفتاح الفرج.

قالت حدثتني أمي حديثا طويلا عن الحياة و العيش الكريم و البيت و الأطفال و الزواج و الحق أنها حاولت أن تصدني حتى عن التفكير فيك. قلت كذلك حدثتني أمي و حاولت أن تصدني عنك و أن لا أهتم إلا بكتابة القصيد قالت بماذا أجبتها قلت لها بأنك أنت قصيدي .

إذا جاء ليل القهر آوي إلى الفراش باكرا كي أفتض بكارة الأشواق قبل أن يأسرها السجان ليتني لم أكتب بيتا واحدا في غير عينيك قالت لكنك أعجز من أن تحب غيري قلت نعم هكذا أنا لا أستطيع في الليلة الظلماء إلا أن أشعل شمعة واحدة قالت و إذا انطفأت قلت لن أشعل غيرها ما حييت في الظلام قالت و هل لمثلك أن يسير في الظلام قلت قطعا لا أفعلها بل سأكتفي بالجلوس مكاني أستضيء بما تبقى في عيني من بقايا الشمعة التي كانت تحترق .

و أخيرا سمحوا لي بأن أكتب رسالة واحدة كل منتصف شهر و نمت بها و دخلت بها بيت الخلاء و سرت بها في أرجاء الغرفة و لما بزغ يوم وليد كأمس مفقود حملتها بيضاء إلى حارس الجناح قال لم أرجعتها بيضاء أتريد أن نتهم بأننا نمنع عنك الرسائل قلت كلا قال ماذا إذا قلت في تردد إن أشواقي أكبر من أن تحويها ورقة أو يخطها قلم .

 

 

الجلدة رقـــ(02 )ــــم

سئمت من كتابة اسمك على جدر كل أقبية القلعة وتحته اسمي و تاريخ إيقافي و أشياء عن الحب لا أستطيع أن أبوح بها الآن للورقة حتى الأصدقاء صاروا إذا قابلوني في غرفة ملساء ليس فيها اسمك أو بقايا من دماء ألحوا في السؤال عنك و أنا لا أنطق كعادتي كلما سئلت عنك لأنك لي وحدي و كم فرحت عندما أعادوا طلاء الجدران لما أشيع أن مسؤولا ساميا ربما سيزور القلعة قبل موفى الشهر .

مزقت صورتك التي رسمتها على لحاف الفراش و لما لم أجد غطاء ندمت على تمزيق اللحاف لا على تمزيق صورتك قالت أكرهتني قلت نعم فقد أحببتك إلى درجة الكره.

قديما كنت لا أصبر على فراقك أبدا كأننا توأمين و كم أكون في غنى عن الوجود بما فيه لما أكون معك أما اليوم فكم أكرهك و أنا في سلاسلي أتذوق آلام شدها و هي تغرز في آلام الاستبداد إلى أن يغم علي و عندما أستفيق أنضر إلى رفيقي و مثل كل من رفض أن يصلي صلاة الصبح بعد التعداد الصباحي أي بعد الثامنة . صدقيني لقد بال لأننا نمنا على البلاط و لم ترفع عنا الأغلال حتى لنتبول تصوري لو قلت لسجّاني أرجوك أن تضع عني الأغلال حتى أكتب بيتا في الغزل جاءني من وحي اللحظة ماذا عساه يكون رده قالت لا أدري قلت سيقول لي يا ابن . . . نحن سجناك لأجل قصائدك التي ألهبت مشاعر الشعب سأقول له و هل أنت من الشعب سيقول حتما نعم أنا من الشعب سأقول له إذا ألهبتك قصائدي سيخرج و هو يسب السلاسل و القيود.

أحببتك عند الألم عند الفرح عند اليأس كرهتك عندما خلوت إلي نفسي و الإخوة في نومهم كالأموات كرهتك كلما فكرت في الوطن .

قالت عجبا ما كنت أحسب أن القلعة ستغير مفاهيمك عن الحياة عن الحب عن الوطن قلت لقد كانت تلك مفاهيم الحرية قالت ما الوطن إذا بعد التغير قلت كل ما وراء القلعة قالت و هل القلعة خارج الوطن قلت نعم إنها في القمر قالت و الحياة قلت لحظة شمس في باحة السجن قالت و الموت قلت سلسلة تشدّ إليها حتى تبول قالت و الفن قلت نقر على حائط القبو حتى يستأنس به رهين القبو الآخر قالت و الثورة قلت كل ما يستبطن و لو كان شرا قالت و أنا قلت مازلت كما أنت القصيد .

 

الجلدة رقـــ(03)ــــم

سحب من الأسئلة أبت أن تنقشع عنّي رغم تمترسي باللامبالاة ليست المرة الأولى التي أحس فيها بأنني مشدود إلي هناك إلي ظل الكرمة و الماء و الخضرة . لماذا لا تنساها لماذا لا تقلع عن كتابة الشعر لماذا لا تغادر السجن . لم أحاول أن أجيب عن هذه الأسئلة المستهترة إذ ليس من المعقول أن أصل إلى حلول و أنا في القلعة فماذا أفعل غدا و بعد غد إن توصلت إلى وقف نزيف الحيرة و مع ذلك كنت أشعر بأنني لا أستطيع أن أرفض الهواء الذي يلج رئتي حياة و لا أن أطير بدون أجنحة و لا أن أكون أول خائن قالت و آخر خائن . قلت كلا ربما أكون مقعدا و من حولي يجري لكنني لا أستطيع أن أسير إلى الباب فوق رقاب إخوتي قالت إذا دعني أسير إلى قبري مادمت لا تريد أن تغادر القلعة قلت و ماذا ستتركين لي نظير أنسي بالألم قالت سأترك لك الذكريات قلت الآهات قالت لن أنس أنك من علمني الحب ذات شتاء دافئ على غير عادة شتاءات مدينتنا كنا نسير و الكون حولنا في سكون حتى افترقنا على أمل أن لا نفترق أبدا قلت يومها كتبت على تراب مدينتنا أحبك و كتبت أحبك قالت لكنني اليوم أقيد إلى الواقع قلت ذلك القيد قيدني منذ تاريخ الإيقاف فلم أشأ أن أخبرك لأني أشعر دائما بأن العاشق مجبر . قالت لي أمي ذات لقاء من وراء أسلاك فصلت بين الأم و وليدها و سجان يحصي الكلمات . بني لقد التقيت ليلى ذات مأتم فعانقتني باكية قلت ربما آلمها فراق جدتها قالت كلا قلت إذا دعيني أرجع إلي غرفتي لو سمحت أمي فقد بدأت أنزف شعرا وكأن أمي لم تعبأ لآهاتي أو تجاهلت ذوباني لأنها استرسلت في سرد وقائع المأتم قالت لقد أنجبت بنتا لو كانت بنتك ماذا ستسميها قلت تونس قالت لقد سمتها تونس قلت أرجوك يا سجان أرجعني إلي غرفتي فإن أمي لا تحترم سير التاريخ .

في الغرفة انهمك بعض الإخوة في تقسيم القفة التي جلبتها أمي على المجموعات إلا عادل قد إنتحى ركنا قسيا معانقا الوسادة وقد راح في رحلة ضعف ما أحوجني إليها قلت لم تنزف قال لأني رأيت في عينيك شيئا لم أحب أن آره فيك أبدا قلت و ما هو قال الضعف ضحكت على غير عادتي حتى تناه إلى مسمعي تعاليق بعض الإخوة . لقد جاء من هناك مسرورا لعل السماء قد أمطرت على دارهم حرية ضحكت حتى انكفأت على وجهي و لما فرغت من السخرية من القلعة تذكرت أن أمي الساعة في القطار عائدة إلى الجنوب لتحكي لبقايا الواحة قصة حب لم تنته أو قصيد لم يكتب .

 

الجلدة رقـــ(04 )ــــم

 

عندما تحاول الجدران أن تعبث بمشاعرك و تقتل فيك حب الوهم أو ما يسمى الأمل تفقد طعم الحياة

قالت ليلى : ما الحياة ؟ قلت :

الحياة ليست هي الحياة .

الحياة خارج القلعة كل شيء و داخل القلعة رسالة من بعيد تخرجك من الواقع الميت اليومي إلي الحياة.

الحياة أن تر من تحب و لو من وراء قضبان الحديد و الحرس يحصي عليكما الكلمات و كم عدنا من جناح الزيارة إلى " السلون " للتحقيق .

-         ماذا تقصد أمك بقولها الأحوال خارج القلعة تنبئ بكل خير

-         هل لأمك اتصال بالقيادة في بريطانيا

-         لقد طلبت من أمك أن تجلب لك الزيتون

-         نعم

-         ما هي علاقتك بالمتهم الفار خارج الوطن لطفي زيتون

-         لا أعرفه

-         هل تريد أن تخلع ملابس أمّك

-         لا قطعا

-         يجب أن تعترف إذا

-         لماذا طلبت حذاء رياضيا هل تنوي الفرار من القلعة

هنا السجان مختص في و أد الفرحة في صدرك .

قيل أنهم يتقاضون علاوات إذا تزايدت حالات الاضطراب بيننا و المرض النفسي رأيتهم مرة سعداء إلى درجة القبح و هم يكتشفون أن أحد الإسلاميين من أصيلي ولاية الكاف فقدعقله .

قال لي مرة

-         أتعرف ما الوطن

-         قلت لا

-         قال الوطن هو الوطن و انتحى بي ركنا قصيا صارخا في وجهي أو محذرا

-         إياك أن تخبر أحدا أنّي أبلغتك بهذا الأمر و ها أنذا أخونك أيها العزيز لأعلن لكل حر أبي أن الوطن هو الوطن بكل معاني الكلمة .

 

الجلدة رقـــ(05 )ــــم

 

عندما تأتيك الأنباء أن ما تركته خلفك قد إندثر تنغمس في السجن أكثر أي تموت عندما كانت ليلى تقف بجانبي و لا يراها الحارس أنسى الرغيف الأسود و المحمصة المتعفنة .

عندما كانت ليلى تنام ملتصقة بي بل فيّ تبحر و تنغمس و تذوب و ما تحت الجبة عفوا اللحاف إلا أنا و هي.

عندما تراها الراقصة في أي " كليب " فرض عليك مشاهدته و آخر من يموت في كل شريط سينمائي.

عندما تراها في كل شيء تشعر بأنك مازلت وطنيا رغم إصرهم و الأغلال و عندما تفقد الوجه الصبوح دفعة واحدة تجبر على تجرع السم جرعة واحدة و إرجاع القنينة إلى العدو فارغة و أن تقول له شكرا حضرة الملازم .

القلم يعانق الورقة ليلعن و العبرات تتجمع في الأحداق و تتخير لها المجاري يشدني إليك يا ما وراء القلعة سمت ليلى و التسكع بعد السادسة مثقلا بالشوق للقاء المرتقب و مثقلا بالمناشير.

-         عفوا يا صديقي هذا ليس منشورا إنه قصيد لنزار قباني

-         وزعه على الناس كي يثوروا

أول ما رحل الجميع تقرفصت و رتلت من آيات الوطن الكثير حتى أيقنت بأني ثوري ثم ذرفت الدموع 

و كتبت شيئا ما على ورقة . . . . خربشات . . . . بعض ألم .

صدقوني لما اعتقلوني توجوني ثم قالوا لا تعد لمثلها أبدا.

عندما تحاول قراءة ما كتبت تتفاجأ من هول ما صرخت و ندبت و كسرت و حطمت و هشمت لكنك تستريح لما يشير إليك حارس الغرفة الليلي أن لابد لك من أن تنام .

-         تظاهرت بالنوم

جاءني على عجل

-         أسمعني شخيرك كي لا أبلغ الحراسة خارج الغرفة بأنك تخالف الأوامر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآهة رقــــــ( 2 )ــــــم

 

" ميّت الصحراء"

 

سيري إن فضلت السير وحدك في الليالي

أو طيري

إن حملك جناحاك أعلى الجبال

أو خوني

إن احتمل قلبك بعدي ثاني

فلن أكسر قيدي

ولن أسرج جوادي

و لن أشكوك إلي الربّان

حتى ترتحلي

هيّا ارتحلي

إن وجدت في السفينة مكانين

فاجلس في الأول

وضعي في الثاني حاملة أختامي

حتى ترتحلي

إلي الغابات

إلي المجهول

وتحرقي بستاني

ارتحلي

فلك الشاطئ

ارتحلي

فلك الجبل

ولي لواعج الحرمان

سيرى وعانقي عدوي

وسميه حبيبا

و سميه إن شئت قرصان

سأسير في الصحراء

و أعشق كره النساء

و أحفر عند الأصيل قبرا

أضع فيه قلبي

ولفظة العشق التي راودتني

و حاملة أوراقي

و أموت في الصحراء

فراشا

لم يتذوق بعد

رحيق النساء   

 

Par hamselhorria.over-blog.com - Publié dans : كتب
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 28 septembre 2 28 /09 /Sep 14:02

                                     

                                 انقلاب 1962

من أجل البحث في المسكوت عنه

تقديم

لا شك بأن التاريخ المعاصر لتونس لم تتم بلورته إلى الآن و ذلك لاحتكار الحزب الحاكم حزب التحرير للرؤية الأحادية للأحداث أما أولائك  الفاعلون في تلك الأحداث و الأزمات و المواقف إن لم يكونوا من صنف الشهداء أو المنفيين طوعا أو كرها فهم فضلوا السكوت إلى حين و لكن مع وقع الزمن الهادمة ضرباته بدأ يتناقص عدد الأطراف الذين  يملكون الحقيقة أو على الأقل وجهة النظر المغايرة للرواة الرسمية و من أهم تلك الأحداث حادثة انقلاب 1962 أو ما يطلق عليه "انقلاب الشرطي" .

في الحادثة

جدت أحداث هذه الأزمة في مطلع ديسمبر كانون الأول1962 لتونس لأول محاولة انقلابية في تاريخ تونس قد ذهب ضحيتها و للأسف الشديد أبناؤها لا غير لأن الحادثة قد أحبطت قبل الشروع فيها و هم  نخبة من الكفاءات المدنية العلمية و العسكرية النخبوية كانت تونس التي انفكت لتوها من رقبة الاستعمار لفي أشد الحاجة إليهم جميعا لبناء المؤسسات الوطنية التي مازالت تعج بالكادر الاستعماري  و لكن لظروف عصيبة و وجهات نظر تبناها هؤلاء النخبة لم يجدوا طريقا سوى السعي لإزاحة بورقيبة بالقوة فكان أن أزاحهم بورقيبة ليبقى وحده في الساحة و قد قدم لتوه في 1961 صالح يوسف الى الرياح.

الأسباب و الدوافع

انه لمن العسير تحديد الهداف الحقيقية التي جمعت نخبا من تيارات فكرية تشتت على التوحد تحت راية السلاح لتغيير هرم السلطة بالقوة و لكن لابد من ذكر أهم الأسباب المعلنة و التي تستغاب من السياق السياسي السابق لتلك الحادثة كي نفي ضفة "التجريم" التي أطلقت بهؤلاء الرجال  الذين كانوا قبيل الانقلاب يوصفون أينما حلوا بالبطولة أو يقدمون علميا أو يجلون عسكريا.

أهم الأسباب

1.     

 اغتيال الشهيد صالح بن يوسف في 11 أوت 1961 بمدينة فرنكفورت بألمانيا  و الذي شكل صدمة كبيرة لأنصاره داخل و خارج تونس و أسس لعهد جديد من تصفية الحسابات السياسية بالسلاح في بلد لابؤ من أهله بالقوة تاريخا و هم أقرب للسلم و الوداعة .

 

2.     

تفرد بورقيبة بالسلطة و تنكره للزيتونيين الذين كان لهم السبق في تأسيس الحزب على يدي المرحوم الشيخ الثعالبي ثم افتك منهم بورقيبة بدهائه كما افتك منهم شرعية النضال السياسي و ذهبت تضحيات "صوت الطالب الزيتوني" أدراج الرياح ليعلو صوت الديوان السياسي .

3.     

إصرار بورقيبة على تجريد المقاومة المسلحة من أسلحتها دون طرح بدائل لتلك الجموع التي ضحت بأعز ما تملك حتى أن لزهر الشرايطي قاد مظاهرة في 28 نوفمبر 1955 شارك فيها 200 مقاوم تطالب بحقوق المقاومين بعد المظاهرة التي قادها السياسي الأسود في أكتوبر 1955 و فيها 1000 مقاوم.

4.     

رفض بورقيبة التعاطي مع واقع المقاومين بل و سعى إلى إقصائهم و استغلال أمية أغلب هؤلاء ليوظفهم كشواش مثلا في المحاكم بل و لا يفتأ إلا و يحرض عليهم الجماهير ليثبت تفرد دوره النضالي فقد قال في أحد خطبه "هم أناس بسطاء استقر في أذهانهم أنهم هم  الذين رفعوا السلاح و حاربوا في الجبال إلى أن خرجت فرنسا و هكذا أصبحوا يحسبون أنهم هم الذين أسسوا الدولة و من ثم يجب أن تكون تحت تصرفهم و أن يكونوا هم الوزراء و السياسيون و السفراء و القادة و أن تسند إليهم رخص النقل و تمنح لهم الضيعات و امتيازات التصدير و التوريد... هكذا كانوا يتصورون الاستقلال و بما أنهم قاموا في الجبال و شكلوا ما يدعى جيش التحرير و ظهر فيهم القائد الأزهر و القائد ساسي و من لف لفهما فأنهم يجسمون هذه الدولة و أننا استثمرنا جهودهم و تبوأنا الكراسي و تخلينا عنهم ...

 هذه هي نفسية "الفلاقة" و لا أقول نفسية المقاومين و من حسن الحظ أنها لا تشمل جميعهم".

5.     

تفاقم الخلاف الحاد بين بورقيبة و الجناح الآخر للحزب الذي كان يتزعمه الأمين العام للحزب السيد صالح بن يوسف و تحول  هذا الخلاف الى حملة اعتقالات واسعة طالت اليوسفيين و أزاحت صالح بن يوف نفسه لا من الساحة السياسية بل من الحياة .

6.     

سقوط المقاومة في فخ معركة "الجلاء" عن بنزرت ليذهب ضحية تلك الفبركة السينمائية ما بين 5000 الى 6000 شهيد ليعلن بورقيبة لعالمين أنه كذلك مجاهد سلاح لا كلمة فقط كما بدأ يهمس الكثيرون و ليسحب الشرعية من القيادة الجهادية التي كلفت من جديد دون وعي لأعداد لمتطوعين "لحرب الجلاء " عن بنزرت ثم أبدت عن ساحة الحدث كي لتكسب شرعية جديدة هي ليست فحاجة إليها لكن بورقيبة في حاجة لتلك الشرعية فقد كلف الأزهر الشرايطي من الطيب المهيري كما كلف غيره لإعداد المتطوعين "لحرب الجلاء" عن بنزرت و بعدها أتم ما طلب منه أبعد الشرايطي الى قابس ثم رمادة .

7.     

الاعتداء السافر على الجامع الزيتونة و غلقة بتعلة توحيد النظام التعليمي و لم تجرأ قبل بورقيبة فرنسا على غلق الجامع رغم بروز حركة طلابية قوية بداخله أطلق عليها "صوت الطالب الزيتوني" كانت تناوئ المشروع الفرنسي للحل الذي يمثله بورقيبة و من لف لفه كان من أبرز مؤسسيها الشيخ عبد العزيز العكرمي القائد الفعلي للانقلاب .

8.     

سن قانون حل الأحباس الشريان الأساس للتعليم الشرعي و ظمه الى ممتلكات الدولة و التفويت فيه بعد ذلك بالمحاباة و بالولاء السياسي وقع سن هذا القانون يوم31 مارس 1956 أي بعد أحد عشر يوما من إعلان الاستقلال .

9.     

سن بورقيبة مجموعة من القوانين الاستثنائية ما بين 1957 و 1959 قدرت ب375 قانونا من بينها القانون 59 الذي يسمح بانتزاع الممتلكات .

في المسكوت عنه

المسكوت عنه في هذه الحركة الانقلابية كثير و متجدد و كلما توصلنا الى معلومات جديدة تشعر أنك أمام حدث غامض لا تكاد تمسك فيه بخيط حتى ينفلت منك آخر و من أهم المسكوت عنه

*اللقاء السري الذي جمع الشيخ عبد العزيز العكرمي العقل المدبر الفعلي للانقلاب و الرئيس بورقيبة لمحاولة استمالته للسلطة فما حقيقة هذا اللقاء الذي لم تحتويه أية وثيقة و لم يذكره أي من الذين قدموا شهادتهم لكن الشيخ علي الإصبعي (أبو تمام ) أحد تلامذة  الشيخ عبد العزيز العكرمي و الذي اعتقل بضعة أشهر على خلفية تلك الأحداث (في قابس) يؤكد كذلك سعي الشيخ العكرمي لتشكيل قائمة انتخابية وطنية مقابلة لقائمة الحزب الحاكم أي نواة حزب.

*ما حقيقة أن قائد جيش التحرير الوطني لزهر الشرايطي لم يكن يعلم بتفاصيل الانقلاب و لا يعتبر من قادته و أن بورقيبة استغل فرصة تورط الغالبية العظمى من أبناء مدينة قفصه المناصبة العداء لبورقيبة في المحاولة الانقلابية لتصفية الحسابات القديمة معها بدليل أن لزهر الشرايطي لم يكن من المعسكر الرافض لبورقيبة و نبين  ذلك في حينه و قد كان كذلك مقربا من وزير الداخلية و الذي منحه قصر الباي بحمام الأنف و سيارة.

*من كان صاحب الفكرة المحورية في الانقلاب

التيار الزيتوني العروبي (الإسلامي) المشيخي الذي له ثارات عديدة مع بورقيبة أقلها انقلابه على الحزب القديم الذي أسس الزواتنة و غلق جامع الزيتونة كما ألمعنا و حل مؤسسة الأحباس ليتشتت جمع الزواتنة بين القضاء و التعليم و المؤسسات المدينة و البطالة بعدما كانوا يحضون بمؤسسة قوية علميا و شرعيا و مستقلة ماديا و من أهم ممثلي هذا التيار داخل المجموعة الانقلابية الشيخين البارزين الشيخ عبد العزيز العكرمي و الشيخ الرحموني أم الحركة اليوسفية التي كان لها امتداد قوي داخل نفس الحزب و تدين بالولاء لصالح بن يوسف ب747 شعبة و كان لهذه الحركة امتداد مغاربي قوي لإيمان زعيمها صالح بن يوسف بالبعدين المغاربي و العربي بل و الإسلامي و كان إبراهيم طوبال أحد أقطاب الانقلاب و أحد رموز الحركة اليوسفية يتحرك منذ عهد الاستعمار مغاربيا بتنسيق كبير مع الجارتين و قد ذكر منصف الشابي في كتابه صالح بن يوسف حياة كفاح "يقول الزعيم المناضل ابراهيم طوبال أن شحنة كبيرة من الأسلحة حلت بمطار طرابلس يوم 18 سبتمبر 1954 قادمة من القاهرة و موجهة الى الحركة الوطنية بتونس و قد رافق هذه الشحنة من  مصر الى ليبيا العقيد صادق الملحق العسكري بالسفارة المصرية بطرابلس و كان في انتظارها عند الوصول عدد من الفدائيين التونسيين تم إيفادهم للغرض كما حضر من الجانب التونسي الأخوين إبراهيم طوبال باعتباره لجنة تحرير المغرب العربي و علي الزليطني موفود من الحزب الدستوري الجديد .

ابراهيم طوبال هو نفسه الذي نراه في محاولة 1962 صحبة المسطاردي بن سعيد يكلف من المجموعة الانقلابية بدعم تمرد قفصه الذي  سيقوده الشيخ العكرمي بمدد من المقاتلين يأتي به من الجزائر ثم بعد صدمة المركز بتمرد مدينة الرفض قفصه يقع الانقضاض على المركز نفسه أي تونس العاصمة و قتل بورقيبة .

إن هذا التيار فقد لتوه زعيمه  صالح بن يوسف في فرنكفورت و فقد العديد من قواعده في لعبة تحرير بنزرت و البقية أما مشتتة داخل الوطن تختفي من لعنة عيون لجان يقظة بورقيبة أو تبحث لها بالأساس عن لجوء في الجزائر .

أم هؤلاء العسكريين الذين توزعت انتماءاتهم على مختلف الطيف القومي و قد كان لبعضهم محاولات في التغيير بالقوة حتى خارج الوطن , إذ أن " عمر البنبلي"  نفسه ساهم في أحد الانقلابات العسكرية التي اشتهرت بها سوريا .

أم ذلك الكم الهائل من المقاومين الذين توزعت ولاءاتهم بين لزهر الشرايطي و الساسي الأسود و لم يجدوا لهم لا في الولاء البورقيبي نصيبا و هو الذي لا يفتأ يسخر منهم و يطلق عليهم لقب "الفلاقة" و هي لفظة قريبة من قاطع الطريق و لا في اليوسفية المعارضة ملجئا و مؤوى فرفضوا تسليم أسلحتهم ثم تورط البعض منهم في لعبة تحرير بنزرت ثم التجئوا مكرهين  الى العودة الى السلاح من جديد

لقد كانت تلك الفئة المؤمنة و الأمية في آن واحد لعبة شبه طيعة يحاول أكثر من طرف اللعب بها و توظيفها حسب أهدافه و سياساته في غضون شهر جانفي 1955 حسب الإقامة العامة اتصل القيادي الدستوري ووزير الدولة و المفاوض في حكومة الطاهر بن مار المنجي سليم بالأزهر الشريطي محاولا إقناعه بضرورة  تجميع مقاتليه و الصعود للجبل ثانية فرفض هذا الأخير رفضا قاطعا .كما يفيد نفس المصدر بأن القائد الآخر الساسي الأسود قد اعتذر هو أيضا.

قراءة في الأشخاص نظرة في الحدث

لا يمكن التطرق الى الحدث أو الى الأزمة دون النظر في كنه الأشخاص وذلك لأن أفكارهم هي التي جمعت حولها الرجال و بنت التنظيم و أعدت الخطط و نظرت للمستقبل و عليه فاننا سنحاول رسم جدولين بهما أهم الأسباب المدينة و العسكرية و سنحاول تتبع الأحداث من خلال الرجال

المذنبون

الجهة

الحكم

الصفة

الاسم واللقب

أصيل ولاية قفصه

الإعدام

أستاذ عربية بجامع الزيتونة المعمور

الشيخ عبد العزيز العكرمي

أصيل ولاية القصرين

الإعدام

خريج جامع الزيتونة أستاذ بالشعبة العصرية بمعهد ابن شرف

الشيخ أحمد الرحموني

أصيل ولاية قفصه

الإعدام

القائد العام لجيش التحريرالوطني

الأزهرالشرايطي

_______________

الإعدام في حالة الفرار

ناشط يوسفي لاجئ بالجزائر

المسطاري بن بو بكر بن سعيد

أصيل ولاية قفصه

الأشغال الشاقة المؤبدة

مساعد ثاني لقائد جيش التحرير

الساسي بو يحي

أصيل ولاية بنزرت

الأشغال الشاقة المؤبدة

مقاوم قديم

محمد صالح البراطلي

_______________

_______________

يشتغل بالقضاء قبل أن يقال ليمتهن الفلاحة بجهة الكاف

أحمد التيجاني

أصيل ولاية قفصه

10سنوات سجنا

مدرس خريج جامع الزيتونة

عز الدين الشريف

أصيل ولاية بنزرت

الإعدام

______________

الهادي القفصي

______________

الإعدام

_______________

الحبيب الحنبني

أصيل ولاية قفصه

الأشغال الشاقة20 سنة

شيخ تراب من قادة المقاومة

العربي العكرمي

_____________

الأشغال الشاقة20 سنة

_______________

علي كشك

    

                 القيادة العسكرية

الحكم

الصفة

الإسم و اللقب

الإعدام

خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية

محمد الحبيب بركية

الإعدام ثم  خفف إلى الأشغال الشاقة

  خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية

محمد قيزة

الإعدام ثم  خفف إلى الأشغال الشاقة

خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية

المنصف الماطري

الإعدام

ضابط سابق بالجيش المصري و الجيش السوري

عمر البنبلي

الإعدام

ضابط بالجيش الفرنسي أو حرس الباي على وجه التدقيق

عبد الصادق بن سعيد

الإعدام

نقيب مكلف بحراسة القصر الرئاسي

كبير المحرزي

الإعدام

ملازم مشرف على حامية قفصة

صالح الحشاني

التنفيذ:

وقع تنفيذ حكم الإعدام بتاريخ 24 جانفي 1963 مع استثناء المنصف الماطري و محمد قيزة اللذين أبدل الحكم في شأنهما إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

التوابع و الزوابع:

خلفت هذه المحاولة الفاشلة أزمة حادة داخل الشارع التونسي كان على إثرها قد أمسك الرئيس بورقيبة بزمام الحزب و الحكم في البلاد و وسع دائرة '' أكباش الفداء '' لتطال حل الحزب الشيوعي التونسي و الذي لم تكن له أية صلة بالمحاولة الانقلابية لا من بعيد و لا من قريب و القضاء النهائي على اليوسفية و سير البلد نحو حكم الحزب الواحد و الزعيم الواحد و شن بورقيبة حملة شرسة على الإسلام الذي كان يعاديه تقية خوفا من سطوة '' الزواتنة '' ليجاهر بإفطاره علنا في اجتماع اتحاد المعلمين العرب بالبلمريوم بالعاصمة تونس و نزوله إلى الشارع لنزع '' السفساري '' و التشجيع على ارتداء التنورة ( القصيرة ) و تركيزه للمشروع التعليمي الفرنكفوني الذي أرسى دعائمه المستعمر '' دوبياس '' و إخراجه تونس من الحضيرة العربية و اعتبارها أمة قائمة الذات على شاكلة '' الأمة الفرنسية '' و حارب الشخصية التونسية في بعدها العربي الإسلامي.

الأزهر الشريطي: قراءة في الرجل:

لن نستطيع التأريخ لشخصية بهذا المستوى في ورقات و لكن الذي يهمنا هو تقديمه بشكل قريب من الواقع يسمح لنا بقراءة دوره في هذه الحادثة التاريخية.

تؤكد السيدة محجوبة ابنة الأزهر الشريطي أن والدها ولد في 19 مارس 1919 بأولاد الشريط أحد عروش الهمامة من أرياف قفصة و الذي يهمنا في تفاصيل الرجل أنه كان أميا و كان عاملا منجميا في منجم المظيلة و قد تطوع الشريطي للجهاد في فلسطين سنة 1947 و كانت عودته بعد سنتين أي في أواخر 1949.

التحق سنة 1952 بالمقاومة المسلحة ضد المحتل الفرنسي و يبدو أن المحرض الأساس  له للالتحاق بالمقاومة هو المناضل الكبير أحمد التليلي و يذكر كذلك أن بورقيبة التقاه عند زيارته لقفصه في أواخر 1951 و كان قد لمع في تلك الفترة ثلاثة أسماء قيادية مقاومة هم الطاهر الأسود و الساسي الأسود و الأزهر الشريطي و لما عقد مؤتمر سمامة في ربيع 1954 انتخب الشريطي قائدا عاما للمقاومة و الطاهر الأسود مساعدا أولا للقائد العام و الساسي الأسود مساعدا ثانيا و بعد تاريخ حافل بالبطولات سلم الأزهر الشريطي و من معه سلاحهم يوم 8 ديسمبر 1954 بسيدي عيش على يدي أحمد التليلي و حسونة بن الطاهر عضوي '' لجنة الاتصال '' بجهة قفصة أما الساسي الأسود فقد رفض تسليم سلاحه (7).

الشريطي في ثوبه الجديد:

بعد الاستقلال صار هذا البطل الذي أقض مضاجع الاستعماريين رجلا وديعا من علية القوم يسكن قصرا من قصور الباي و يتمتع بسيارة و زوجتين إحداهما فيفيان السويسرية على عكس العديد من القادة الذين لم يحظوا بشيء من بورقيبة لشدة تحفظه من '' الفلاقة '' خوفا من ماضيهم المسلح.

الأزهر الشريطي الذي صرح قبل تسليم سلاحه لمبعوث جريدة '' الصباح '' سأقوم بأية مهنة كانت و سأعمل في المنجم كما كنت (8) هو الذي انتقل بقدرة قادر إلى قصر الباي في نفس الوقت الذي كان يطارد فيه رفقاء السلاح فكيف لهذا الرجل الذي كان يحظى برضى الحكم أن يكون على رأس انقلاب مغامر يفقده مكانته.

لعبة الولاء:

قد يكون من المؤلم أن نؤكد كما سبق و أكد القلة من الباحثين بأن الأزهر الشريطي قد دخل في لعبة البيع و الشراء رضاء عيشة رغيدة كان يستحقها أصلا دون التنكر لرفاق السلاح.

(7) في سيرة المقاوم الأزهر الشريطي لعميرة علية الصغير – مجلة روافد – عدد 11/2006

(8) جريدة الصباح 3/12/1954

فالأزهر الشريطي بطل فلسطين و ابن منجم المظيلة و بطل معارك جبال قفصة و القائد العام لجيش التحرير هو الأزهر نفسه الذي دخل في لعبة النفوذ بين شقي الحزب شق بورقيبة و شق صالح بن يوسف طبعا في صف بورقيبة رغم أن الرجل لم يكن بورقيبيا و لم يمتع بالحظوة بعد ذلك إلا من طرف وزير الداخلية الطيب المهيري الذي أعطاه القصر و ربما وضعه تحت العين كما يقال لأن القائد الذي يبيعك نفسه اليوم ربما يعرض يعرض نفسه للبيع مرة أخرى لغيرك و هل يحق لنا أن نسأل بكل حياء هل كان البطل الأزهر الشريطي يعرض نفسه للبيع لمن يدفع أكثر؟

لكن بعض القادة الآخرين كذلك لم ينأوا بأنفسهم عن الخلاف الحزبي و لم يتعالوا بقدسية الثورة فوق الحسابات الحزبية الضيقة فقد شهدنا كذلك التحاق قادة آخرين بمعسكر صالح بن يوسف من أمثال الطاهر الأسود و عبد الله البوعمراني و عمار بنّي و عبد اللطيف زهير فهل أخطأ هؤلاء جميعا من انضم منهم إلى هذا المعسكر أو ذاك ؟ لأن معركتهم ضد فرنسا لم تكن حزبية أبدا بل كان الحزب يحاول الاستفادة من ولائهم للوطن و من نضالاتهم لتحسين موقفه التفاوضي و كسب التأييد الشعبي فللأمانة التاريخية لم يكن هؤلاء حزبيون بالأساس و قد أفقدهم الحزب ما كسبوه بشرعية المقاومة.

في أتون الخطأ:

اجتهد بورقيبة العازم على القضاء على خصومه برنة السلاح في تجنيد ما أمكن من قادة المقاومة و الذين يسهل تجنيدهم ذاتيا و موضوعيا.

-       ذاتيا :

هم في أغلبهم أميون فقراء و يطمحون في نيل نصيب من '' الكعكة '' التي بدأت تقسم خاصة في الساحل و في تونس على من يستحق و من لا يستحق.

-       موضوعيا:

مازال هؤلاء يتمتعون بحس وطني قد يقودهم إلى حمل السلاح حتى ضد رفيق مسلح إذا اعتقدوا بأنه قد يلحق الهزيمة بالوطن من جراء آرائه أو طموحاته السياسية.

و قد أنشأ آليتين لمقاومة هؤلاء " الخارجين عن القانون" و الذين كانوا لوقت قريب أبطال.

أما الآلية الأولى و كانت تحت الحزب و هي ميليشيا مدينة تعرف ب" لجان الرعاية" متألفة خاصة من قدماء الفلاقة بل و من المتعاونين مع الاستعمار( القوادة) و الساعين لركوب التيار و من أبرز قادتها الساسي لسود و المصباح الجربوع و الساسي بو يحي أما الآلية الثانية فتعرف ب(المخزن المتجول الإضافي) .وكان تحت إشراف وزارة الداخلية و قد التحق به قادة كبار من المقاومة أمثال المحجوب بن علي و الأزهر الشريطي في الرجل.

السؤال الملح الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو كيف تورط الأزهر الشريطي في محاولة انقلابية يبدو للوهلة الأولى بأنه لا ناقة له فيها و لا جمل.

إن الرجل قد نال من الحظوة أكثر مما نال غيره من قادة المقاومة بل لعله لم يكن يطمح في تلك المكانة بما يعلم من أمته و فقره بل إن الرجل تورط في ولائه للصف اليورقيبي بأن رفع السلاح ضد رفاق السلاح فهل يعقل أن تجمعه محاولة انقلابية لا يخفى النفس اليوسفي عليها  و لم يكن الرجل يوسفيا بل لعله يعتبر عدوا لليوسفيين  و النفس الزيتوني و لم يكن الرجل زيتونيا و الطموح العسكري و كان الرجل مدنيا بامتياز بل و من الطبقة الكادحة و التحاقه بالمقاومة كغيره من أحرار قفصه لم تصبغ عليه صفة المتفرغ الدائم للقتال بل  شهدنا أنه كان من السباقين لتسليم سلاحه معربا عن استعداده للعودة إلى العمل في المنجم .هل سقط الأزهر فعلا في لعبة اليوسفيين الذين انتقموا منه بأن ورطوه في معركة لا تعنيه و قد صرح في المحاكمة بأنه غرر به.

أم أن الأزهر الشريطي دفع ثمن اغترابه من بورقيبة الذي  اكتوى بنيرانه العديد من الشخصيات لأقلها رفيق النضال الأمين العام للحرب المرحوم صالح يوسف فبورقيبة الذي دفع الشريطي الى مقاتلة اليوسفيين رفاق السلاح و لم يكن الأزهر يعاديهم .هل هو نفسه بورقيبة الذي صنع من الأزهر الشريطي بطل انقلاب 1962 دون علم منه أو أنه كان يعلم و اليوم يحق لنا أن نطرح ما كان يعلم و قد حدثني الشيخ الأصبعي (أبو تمام)  بأن الأزهر لم يكن يعلم شيئا أسفت ورطة بورقيبة بقدرة قادر ليتخلص منه ففي نفس ( المغامرة ) تشعر و تدرك و توقن بأن المستفيد الوحيد من لحادثة ككل بورقيبة.

ففي المحاكمة تخلص بورقيبة من باقي "الفلاقة" و من بقايا قادة التيار اليوسفي و من بقايا قيادات الزيتونة و من نخبة غير موالية من العسكريين .

فهل يمكن أن تشعر أن الأزهر بالأساس كان ضحية مؤامرة أطاحت برأسه ليفقد نصاعة البطل المقاوم و تورط في قتال رفاق السلاح و نصاعة التونسي الغيور و قد تورط في الانقلاب على الشرعية التي كان يملها الزعيم الأكبر الرئيس بورقيبة.

الثأر

لا أدري كيف أهمل العديد من الباحثين و المختصين في البحث ما يمكن أن تخلفه هذه الأزمة من أزمات أخر أو بوادر انتفاضات إذ لما سلمنا بأنها حركة واعية و مرشدة إلا أنها لم يكتب لها النجاح فلا بد أن يبقى بعض من لهيبها تحت الرماد حتى يتسنى له الثوران.

قفصه مدينة الثورات الفاشلة

عودتنا مدينة قفصه تلك المدينة التي مدت البلد الخارج لتوه من رقبة الاستعمار بالفسفاط العصب الرئيس للاقتصاد في تونس غير أن تلك الثروات يقع استثمارها بالساحل و الشمال و تونس العاصمة لتبقى المدينة رهينة الموت في أنفاق الفسفاط "الداموس" و رهينة الفقر و الخصاصة و ضعف البنية التحتية .

  

عودتنا قفصه على رفضها و قد جرحتها تجربة 1962 في الصميم اذ فتحت قفصه بيوت عزاء في شتى أرجاء الولاية و هي تودع نخبها على المشانق .

يروي كبار السن و الذين عايشوا تلك المحنة و منهم أمي أن النساء خرجن في مواكب "نواح و نديب" على أثر صدمتهن بفقدانهن خيرة نخبة الولاية و على الخصوص الشيخ عبد العزيز العكرمي الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية فهو الذي يلجأ إليه في حالة الخلافات بين مختلف "العروش" و مازال كبار السن يذكرون أنه صفع "القايد" لسوء تصرفه في قسمة ماء عين (ترتش) من وادي بياش بقفصه مما كاد يتسبب في قتال بين (القفاصة) و (القصارة) .

إني في أد الغرابة كيف لم يربط الباحثون بين ما يسمى (عملية قفصه المسلحة لسنة 1980 ) و (انقلاب 1962 ) إن اطلاعك على قائمة قادة عملية قفصه 1980 نتفاجأ بأن القائد السياسي (للكومندوس) كما كان يسمى هو نفسه ذاك الشاب الذي حوكم ب10 سنوات أشغال شاقة و أتمها يوما بيوم مقيدا بسلسلة طولها 80صم مشدودة الى الحائط دون أن يسمح له و لزملائه بالانتقال حتى أتموا العقوبة انه أحد انقلابيي 1962 انه خريج جامع الزيتونة رجل التعليم المرحوم عز الدين الشريف و لم يكن وحده منة مجموعة 1962 و صهر الشيخ عبد العزيز العكرمي الرجل الأول و المخطط الفعلي لانقلاب 1962 .

إن قادة 1980 اجتمعوا مع الشيخ  العربي العكرمي في بيته في حي المحطة بقصر قفصه ليلة المحاولة الفاشلة ربما لنيل الشرعية أو لتأكيد الولاء لمشروع 1962 ربما ...ربما.

أسئلة الحرجة

بعدما قدمنا من تسلل دقيق للأحداث يحق لنا أن نطرح الأسئلة التالية

-ماهي الدوافع السياسية لحركة انقلاب 1962 .

-هل كانت تونس 1962 مؤهلة لحركة تغييرية للفصل بين التيار البورقيبي و التيار اليوسفي و بين التيار البورقيبي و التيار الزيتوني .

-هل كان بورقيبة في حاجة لذريعة لتصفية الأزهر الشريطي قائد جيش التحرير و حل للأحزاب و انتخابه رئيسا مدى الحياة و تنفيذ المشروع الفرنكفوني في تونس.

-هل حقا استطاعت حركة 1962 أن تجمع ما تشتت من عناصرها و تعيد بناء تنظيمها لتبرز في صورة جديدة و لكن كانت في 1980 أقرب إلى النجاح لولا تدخل قوات ال(j.j.n (الفرنسية و طائرات الميراج.

هل حقا أراد الوزير الأول الراحل الهادي نويرة قصف مدينة قفصه بالكامل أو لولا تمرد الجنرال (القفصي) الطاهر بن يحي و الذي هدد بدوره بقصف مدن أخرى بسلاح المدية إذا قصفت قفصه.

-       لماذا تعود قفصه من جديد لواجهة الأحداث الثورية و هل يمكن أن نطلق عليها مدينة الثورات الفاشلة فمنها سطا "أولاد عبد الكريم" على جباية الباي و قسموها بينهم و فيها انطلقت الشرارة الأولى للكفاح المسلح و فيها خطط و دبر لانقلاب 1962 و هاهي تعيد الكرة أو يعيد أحد أبناءها الكرة ليسيطر على كامل المدينة و يهزم الجيش التونسي بنفر قليل من النخبة الثورية التي تدربت في ليبيا و قاتلت في تشاد و جنوب لبنان و صحبة البوليساريو.

-       الثوب الجديد

كنا قد أمعنا إلى أن السيد عز الدين الشريف قد هاجر إلى ليبيا اثر إتمامه فترة محكوميته و التي كانت ملجأ للثورات من شتى الاتجاهات .

برز نجم الشريف في ليبيا حتى كلف بعمليات في تشاد و جنوب لبنان و شارك في القتال صحبة البوليساريو حيث سمحت له تلك التجربة في ربط علاقة متينة مع المخابرات الجزائرية التي كانت لها يد في محاولة انقلاب 1962.

 تشكلت المجموعة التي تظم حوالي 60 فردا في ليبيا و استطاعت أن تظم إلى صفوف نخبة مقاتلة أثبتت مهارات قتالية جد عالية إبان احتلالها لمدينة قفصه أمثال القائد العسكري أحمد المزغني و هو من مواليد جرجيس بالجنوب التونسي سنة 1941 تلقى تعليما ابتدائيا فقط ثم هاجر الى الجزائر سنة 1962 ثم الى ليبيا سنة 1971 قصد العمل و هناك وقع استقطابه سياسيا لينتمي الى الجبهة القومية  لقوى التقدمية التونسية و قد كلف في أول اختبار له بتفجير مقر الحزب الحاكم في تونس و المركز الثقافي الأمريكي و ذلك في شهر جوان من سنة 1972 و قد ألقي عليه القبض قبل تنفيذ العملية و حكم عليه بخمس سنوات سجنا ثم عاد الى ليبيا ليلتحق بالجبهة من جديد ليسافر بعدها في مهمة الى لبنان و البوليساريو ثم ليظهر كقائد عسكري لعملية قفصه 1980 .

قفصه من جديد

يحق لنا أن نسأل الآن لماذا اختار بقية قادة 1962 قفصه كمنطلق لعملياتهم العسكرية التغييرية للمرة الثانية فقد حذفها اختصار تفاصيل خطة 1962 لنذكر الآن بأنها كانت ستنطلق بتمرد مدينة فقصه الذي كان سيقوده الشيخ عبد العزيز العكرمي لعدة أيام ثم يأتيهم الدعم من الجزائر ليقع إرباك المركز (تونس العاصمة) لينقص بقية المدنيين و العسكريين الذين جاؤوا من أقصى الجنوب على قصر قرطاج .

في 1980 يتغير التكتيك كثيرا إذ أن التمرد كان سيبدأ بثورة مسلحة من بعض أبناء الجبهة نفسها و غيرهم و من لهم سبق في النضال ضد فرنسا أمثال الشيخ العربي العكرمي صاحب الشرعية النضالية الكبيرة و عز الدين الشريف أحد بقايا انقلاب 1962 و دعوة السكان لحمل السلاح من خلال مكبرات صوت المآذن ثم يأتي الدعم من ليبيا عبر الجزائر لينتفض "الفلاقة" الغاضبين تاريخيا على بورقيبة و يحملوا السلاح و بعد ذلك يتم الزحف نحو العاصمة و لكن هذا المخطط قد سقط في الماء الاعتبارات التالية و التي لم تشر لها أية دراسة أخرى .

الفشل               

لا يمكن لأي ثائر تربى في المهجر لسنوات على حلم الثورة و هو مفارق لأرض الواقع و الحراك السياسي و النقابي و الثقافي أن يراهن لا على النخبوي الذي من الصعب إقناعه في ظل هجمة بوليسية شرسة متحكمة حتى في عقول الناس و أحلامهم ببرنامج سياسي قد يراهن إلا على الخبزة و قد صنعت منه فلسفة بورقيبة حول قدسية لقمة العيش و التي كان يطلق عليها "الخبزيسة" مواطنا كسولا و ليس بطموح يحاول أن يراهن على الموجود و الذي يمنحه نصف رغيف خوفا من المراهنة على قادم جديد يعده برغيف كامل فلا هو قد تحصل على الرغيف الكامل و لا حافظ على الربع الذي لا يكفيه و قد رأيناه (القفصي ) على وجه الخصوص و الذي كان يمر قرب (البازوكا) و (الكلاشينكوف) المرمية في شوارع قفصه و لا يلقي لها بالا يشعل قفصه و الأخضر و اليابس و يقدم الشهداء لما تجرأ بورقيبة و رفع ثمن الخبزة الى 270 مليما و كان أن رضخ بورقيبة لثورة التونسي المستضعف و الذي لم تقدمه الأحزاب و لا المنضمات و لا النقابات و كان التونسي المستضعف هو الصانع لثورة الخبزة و المنتصر و قد تغيبت كل القيادات و كل التيارات بدون استثناء.

ليست المرة الأولى التي يراهن الخط الرافض لبورقيبة فيها على قفصه و ليست المرة الأخيرة و ليست المرة الأولى التي تخذل فيها قفصة من راهن عليها و ليست المرة الأخيرة و لكن هل يحق لنا أن نسأل لماذا يحمل كل هؤلاء قفصة أكثر مما تحتمل لماذا صنع هؤلاء من قفصة مهدا للثورات الفاشلة

 

 

                                              أبو الشهيد التونسي

                                                  قفصه مهد الثورات الفاشلة

                                                         2008

 

Par hamselhorria.over-blog.com - Publié dans : كتب
Ecrire un commentaire - Voir les 1 commentaires
Vendredi 17 septembre 5 17 /09 /Sep 17:19

 

الحركة الإسلامية في تونس من الدعوة إلى الهجرة 

الأستاذ فريد خدومة (*)

طيلة ثلاثين سنة مضت ما فتئت الحركة الإسلامية التونسية تلقي بظلالها على الشارع سلبا وإيجابا. وهذه ظاهرة صحية لكل حركة غير متقوقعة، بل ذهبت الحركة أبعد من ذلك في أحد مؤتمراتها إذ رفعت شعار التنظيم من أجل الفعل في الخارج، ووصل هذا التوجه الصحي ذروته، على حد الإعلان عن مجلس شورى موسع علني، بل والذهاب إلى خلق قيادات شعبية محلية، تتولى إدارة شؤون الأحياء[1] .

وقد كان التطور العددي والبرامجي، والزخم القيادي، الذي أثر سلبا حسب بعض التقويمات الداخلية، كما اعتبر عنصر قوة وتواصل في تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث أورد التقرير بفصيح العبارة "أن هذه الحركة لا يمكن القضاء عليها، وذلك لإمكانية التوليد القيادية، التي تتمتع بها". وقد نشر هذا التقرير في بعض الصحف في خضم الصراع مع السلطة، وإن كان التوقيت مشوها، إذ يبدو كأنه دعوة صريحة للسلطة، كي تسارع على القضاء على أكبر عدد ممكن من القيادات، كي تهمش الباقي الضعيف، أو تسد أمامه أبواب التنسيق والتنظيم.

الحركة والشارع

دفعت تلك الأسباب الحركة إلى الشعبية والعلنية مكرهة أو طائعة، فالحركة منذ نشوئها كان قدرها معانقة الشارع. فهل يمكن أن نقول إنها حققت برامجها، أو وصلت إلى ما تصبو إليه؟ أو هل يمكن أن نقول إن الشارع لم يتقبلها أو لم يستسغها، أو أنها حركة لا يمكن لها إلا أن تنمو في الفضاء الطلابي، فقدرها النخبوية.

ومن حقنا كذلك أن نسأل إن كان قبول الشارع لمشروع ما دليلعلى كون ذلك المشروع سليما من الثغرات وذا مصداقية وأصيلا.

الحركة وسياسة المراحل

عندما يحاول المتتبع للشأن الإسلامي في تونس مواكبة تطورات الحركة يقع في إرباك كبير. إذ إنالمراحل في حد ذاتها متداخلة ومتشابكة،ثم على درجة من الغموض في استنباط العلامات الدالة على البدء في مرحلة أو نهايتها. ولذلك سنحاول انتهاج مسلك جديد في البحث، واعتماد اسم الحركة علما على مرحلة، مع علمنا أن الحركة منذ نشأتها واكبتها العديد من الأسماء، مما له أيضا دلالات خاصة.

مرحلة الجماعة الإسلامية

مرت الحركة الإسلامية في تونس بالعديد من المراحل إذا اعتمدنا التسميات. والحق أن التسميات كانت علامات دالة على برمجيات ورؤى تعكس توجه القيادة في مرحلةقد تطول أو تقصر. فمنذ النشأة عرفت الحركة باسم الجماعة الإسلامية. هذا الاسم، الذي له دلالات عميقة في ارتباطه بالطرح الديني التقليدي، والذي يجنح أصحابه إلى التزام النصوص بقراءة حرفية، أبعد ما تكون عن التأويل، وإن كانت الحركة في تونس تجديدية دون شكمنذ بداياتها، لتأثر المؤسسين الشيخ راشد الغنوشي والمحامي الشيخ عبد الفتاح مورو بالحركة الإخوانية المجددة. والتقى داخل الحركة نفسها التكوين الزيتوني، المكتمل بالتكوين القانوني والحقوقي بالتكوين الإخواني، الذي تلقاه الشيخ راشد الغنوشي في سورية، والممزوج بخلفية فلسفية أكاديمية، وبقية إرث زيتوني، استفاد منه أيام الدعوة، وآخر عروبي، باعتبار العروبة طرح مغاربي أقرب لمعانقة الإسلام، من الطرح القومي المشرقي، الأقرب لمعانقة الماركسية. وكان الشيخ قد صرح بكل فخر واعتزاز بأنه تلميذ الشيخ عبد العزيز العكرمي أحد قادة محاولة انقلاب 1962 والمعروف بانتمائه إلى التيار العروبي الزيتوني. ولعل هذا الفكر هو الذي كان الشيخ يتبناه أيام كان مدرسا ابتدائيا في قصر قفصة، قبل رحلته إلى المشرق لإتمام التحصيل العملي.

وقد ألقى الشيخان بظلالهما على الجيل التلمذي الأول، فنشأت الجماعة تحت ظل المؤسسين. وكان اختيار اسم الجماعة، الذي اختارته الحركة الإسلامية في الهند، وتبني الطرح الإخواني فكريا وتنظيميا، هروبا مبررا من تهمة الإخوانيين، خاصة بعد التجربة الدامية، التي وقعت بين حركة الإخوان المسلمين ونظام عبد الناصر،واشتغال آلته الإعلامية في التشويه والاتهام بالعمالة للإنجليز وعرقلة التصدي لإسرائيل. فكيف لتيار يريد أن يتقبله الشارع أن يجد له موطئ قدم في بلاد العروبة، التي أصبح جمال عبد الناصر زعيمها دون منازع.

الجماعة الإسلامية ميدانيا

كانت الجماعة الإسلامية ميدانيا أقرب إلى جماعة الدعوة والتبليغ منها إلى الحركة الإخوانية، ولقد كان مشائخ الدعوة والتبليغ يعتبرون الشيخين من أتباعهم. ولعل الحاجة إلى أنصار وقاعدة كانت الداعي إلى إنتهاج الجماعة هذا الأسلوب، مع قلة التجربة، وانسداد الأفق، أمام غياب وسائل أخرى كالصحافة.. وقد تطور ذلك فأثمر دروسا أسبوعية ومناسباتية كانت الوقود الأول الذي أيقظ جذوة التدين في السبعينيات، وأسس صحوة تحتاج ترشيدا وتنظيما كي تنجح، فاقتحم ذلك الرعيل الأول الجامعة، محاولا أن يجد له فضاء جديدا أكثر عمقا وشمولية، إلا أنه ثم صده من قبل اليسار صاحب الإرث النضالي في الجامعة.

انتهاء المرحلة

هل نعتبر انتهاء هذه المرحلة التي عرّفت بالحركة في كل الولايات تقريبا وأوجدت لها أنصارا أو لنقل تنظيما بانتهاء السرية . ونعتمد نص الإعلان التأسيسي للحركة في 1981 والإعلان عن تسمية جديدة ابتداء لمرحلة أخرى ثم أن المرحلة القديمة ما تزال مستمرة ولكن حصلت ظروف سرعت بانتهائها وابتداء أخرى.

خطاب الحركة

يبدو أنه بدخول الحركة الجامعة التونسية اكتشفت أن خطابها التقليدي، بعيد عن معايشة عقول تونسية نخبوية، تطمح للجديد، ومتعودة على ثورة اليسار، وما تزال تتجرع مأساة الحركة اليوسفية والتيار الزيتوني العروبي، الذي قضي عليه بمحاكمات 1962. فوجدت الحركة خطابها بعيد عن إمكانية قيادة معركة الجامعة، فلجأ الرعيل الأول إلى قراءات جديدة، وبدأت تبرز على السطح دعوات للقطيعة مع الخط الإخواني.

ولعل بروز الثورة الإيرانية فجأة ودون مقدمات،وجه شباب الجامعة وجهة جديدة. هذه الثورة ألقت بظلالها على الحركة والشارع والجامعة، بل جعلت الحركة في دائرة أمنية،بدأت تضيق عليها، وأيقنت أنها صارت مستهدفة. حيث أصبحت صورة الإمام الخيمني مألوفة داخل تونس خاصة عند الإسلاميين، وجلبت الثورة قراءات جديدة وكتبا جديدة وأطروحات مختلفة. وكانت الحركة الإسلامية في تونس من أوائل الحركات التي باركت هذه الثورة، وأرسلت من يمثلها إلى طهران صحبة وفد التنظيم الدولي للإخوان المسلمين لتهنئة الشعب الإيراني بثورته.

وهكذا بدأت مرحلة في استنفاد أغراضها بتجربة صحفية، لم تنضج بعد، وجامعة أصبحت تخوض حروب كرّ وفر بين الإسلاميين،الذين أصبح يحسب لهم ألف حساب، ويسار بدأ في فقدان مواقع تاريخية، فلم يمانع في التحالف مع السلطة لاسترجاع مواقعه، ولا أدل على ذلك من مجزرة منوبة التي سال فيها الدم الإسلامي، بتنسيق واضح ومفضوح بين اليسار والسلطة.

اكتمال الدائرة

بدأ غلق الدائرة بتخرج جيل جديد من القيادات من الجامعة، والتحاقه بالمراكز الأولى لصنع القرار في الحركة. والحق أن هذا الجيل الجديد هو الذي سارع بوأد التسمية، باعتبار أن المرحلة قد انتهت واستنفدت أغراضها، ولابد للحركة من الخروج إلى العلن، وممارسة السياسة التي تحركت بها في الجامعة. وكان ذلك مغامرة، لأن هذا الخروج كان يستتبع فقدان الحصانة، التي ضمنتها الحياة الطلابية،والدخول في الحياة العامة، التي يهيمن عليها الحزب الواحد، ذو العصا الغليظة.

كانت هذه المغامرة واقعية إلى أبعد الحدود،وذلك لتأكد القيادة من أن ضربة قوية أو محاولة استئصالية بدأت تلوح في الأفق. فتقرر عقد مؤتمر صحفي في مكتب الأستاذ عبد الفتاح مورو للإعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي.

كان الحدث، الذي حاولت جميع القراءات السابقة التكتم عنه وتجاهله لعديد الاعتبارات هو إلقاء البوليس التونسي القبض على الشاب صالح كركر، ومعه حقيبة تبين في مقرات الداخلية أنها تحتوي أرشيف الجماعة الإسلامية. فماذا أبقت الحركة من مجهول كي تناور به أمام النظام. وما دام تنظيم الجماعة صار مكشوفا فلا بد من مشاركة الشعب في هذا العبء الثقيل، ولو من باب المناورة أو إلقاء المسؤولية التاريخية على عاتقه ومقاسمته المسؤولية.

المرحلة الثانية: ميلاد الاتجاه الإسلامي

بدأت المرحلة الجديدة بسلسلة من الاعتقالات، أسست لنمط جديد في التعامل مع الحركة، لم تألفه من قبل. سلسلة اعتقالات ومحاكمات وسجون وإعدامات وتصفيات... وبذلك بدأت التأسيس لعمل تنظيمي مغرق في السرية، ألبسته الحركة لبوس التنظيم الإخواني ذي المسارين:

- مسار سياسي تربوي مدني

- مسار تنظيمي

 فحركة مستهدفة لابد لها من الاستعداد للمواجهة. وقد بدأت هذه المرحلة تؤسس للعمل المهجري، وذلك بهجرة بعض القيادات الشابة، مثل الحبيب المكني وعبد الرؤوف بولعابي. وهو توجه لازم أغلب الحركات التجديدية في العالم. أما حركة الاتجاه الإسلامي وإن انطلق عملها المهجري ضعيفا واضراريا، فقد تطور منذ سنة 1987 ليصبح في بداية التسيعنيات ممثلا رسميا لجسم الحركة الضخم، وفيه يوجد المكتبان التنفيذي والشوري، وفيه تعقد المؤتمرات وأصبح كل بلد يقيم فيه أنصارها بمثابة منطقة تنظيمية مع بروز بريطانيا كفضاء للقيادة المركزية.

وهي مرحلة شهدت تباين كثير من وجهات النظر،إذ بدأت تؤسس لجيلين من القيادات المقيمين بانجلترا والمقيمين بفرنسا. فقيادة فرنسا هم في الغالب قيادات طلابية سابقة وقيادات بريطانيا هي قيادات تنظيمية تاريخية، تلتف حول دور الشيخ المؤسس، ولكل من التيارين أنصار في بقية البلدان.

خصوصية المرحلة

برز في مرحلة الاتجاه الإسلامي وجوه الخصوص الأتية :

- دخول الحركة المعترك السياسي العلني مع الاحتفاظ بتنظيم قوي.

اعتبار السلطة للحركة رقما لا يستهان به.

- بروز أول بادرة انشقاق رسمي تمثلت في خروج أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي ومحمد القوماني، وثلة أخرى من المناضلين، لتأسيس ما بات يعرف باليسار الإسلامي، أو الإسلاميين التقدميين. وقد بين هذا التحرك أن الاتجاه الإسلامي كغيره من الحركات،خاصة الإسلامية، يحمل في طياته بذور الانشقاق، وذلك للحاجة الفكرية المتواصلة والعقائدية والسياسية التي تلازم تطورها. وقد سألت المهندس "علي الزروي"[2] أيام التسعينيات المنصرمة هل تنبأ للحركة بالانشقاقات؟ فأجاب "نعم ولأكثر من ثلاثة أو أربع تشكليلات".. ولكن ألم تنتج حركة الإخوان المسلمين في مصر عشرات الحركات الإسلامية.

الاعتقالات

لا يتسع المجال لسرد تقليدي لأطوار الاعتقالات، ولكن أود أن أشير إلى أن الحركة في هذا الطور الثاني دخلت مرحلة المحن، فهل نستطيع أن نقول إن القيادة السرية الاستثنائية للاتجاه الإسلامي، نجحت في إدارة دفة التنظيم وقت الأزمة؟

تقاس الأمور في ذلك بظواهرها وبنتائجها. فرغم المحنة غير المألوفة والتضييق، فالتنظيم واصل نموه وامتداده داخل القطر، وتواصل وجوده في الجامعة، بل أصبح رقما طلابيا يحسب له ألف حساب، ويساهم مساهمة فعالة في إدارة الوجود في الجامعة، وأصبح الإسلاميون يتحركون لتأسيس فضاء نقابي مستقل عن الفضاء اليساري، الذي عجز عن أخذ المبادرة، وعقد مؤتمره الخارق للعادة.

وقد تربى داخل الفضاء النقابي الجديد "الاتحاد العام التونسي للطبلة" العديد من القيادات الشابة، الذين مارسوا بعد ذلك القيادة الميدانية في التنظيم الأم: عبد الكريم الهاروني والعجمي الوريمي والأمين الزيدي وغيرهم.

الخروج الأول من السجن

شهدت الحركة في ذلك الوقت ما يشبه تجربة تفاوضية مع السلطة، أيام حكومة مزالي، أدت للإفراج عن القيادات المعتقلة وكثير من أنصارها، ليبدأ عدّ جديد لمحن أخرى أشد وأعتى، مع إفلاس المشروع البورقيبي وتصادمه مع الجميع.

وكان الشيخ عبد الفتاح مورو قد بعث برسالة إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، يوضح فيها منهج حركة الاتجاه الإسلامي، ومطالبها، ويطلب نظرة جديدة فيما يخص المعتقلين. هذه الرسالة كان قد رفضها كثيرون،ومن بين ما تم الإعراض عليه لفظة المجاهد الأكبر، التي خاطب بها مورو رئيس الدولة.

وقد صرح "علي الزروي" في جلسة معه أن وسطاء مزالي طلبوا من القيادة الاعتراف ببورقيبة زعيما للبلاد، ومجاهدا أكبر دون منازع، إرضاء لجنون العظمة لديه، مقابل الاعتراف بشرعية الوجود العلني. فلماذا رفضت الحركة هذا العرض ولماذا تكتمت عن هذا المطلب ولم يصرح به للعلن ولو في ورقة واحدة؟

وهل أصابت الحركة برفضها الاعتراف ببورقيبة،وهي التي اعترفت فيما بعد برئاسة ابن علي، بل دعت أنصارها لترشيحه في انتخابات 1989؟

الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي

شهدت مرحلة الثمانينات صدور ورقة فكرية عن الاتجاه الإسلامي، وزعت على نطاق واسع علنيا، سميت الورقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي"[3]. وقد حاولت الورقة أن تميز الحركة عن التيار الإخواني والتيارات السلفية.

وكانت هذه الورقة بمثابة الحد الجامع المانع بمصطلح المتكلمين، وبمثابة دستور للحركة ومرجعية لها.

المرحلة الثالثة: ميلاد حركة النهضة

يمكن اعتبار حركة الاتجاه الإسلامي قد خرجت منتصرة من محنة 1987، ولا أدل على ذلك من سقوط النظام البورقيبي. كما لا يفوتنا أن التجربة توجت بحدثين خطيرين:

- بروز الحركة كتيار قوي بالبلاد

- تحرك ما سمي "بمجموعة الإنقاذ الوطني" لإزاحة بورقيبة.

وهكذا دخلت الحركة محورا جديدا، لعل من ملامحه الطموح إلى السلطة. وهل يوجد تيار سياسي في العالم ليس له طموح للسلطة لتجربة برامجه واختبار رجالاته؟.

ما بعد المحنة الثانية

ولدت حركة النهضة في فضاء متساهل نسبيا، جاء نتيجة لتضحيات كبيرة، جلبت للحركة آلاف الأنصار الجدد، كما أفرزت المواجهة رموزا ارتقوا في السلم التنظيمي ارتقاء سريعا ومخيفا. ورأت الحركة أنه من حقها أن تقطف ثمار نضالاتها، ويكون لها دور رسمي ولو صغير في البلاد. وكان أن التقى الشيخ الغنوشي بالرئيس ابن علي في قصر قرطاج، وتلقى وعودا بعلاقة أفضل وأكثر شفافية.

قامت الحركة بتزكية ابن علي في انتخابات 1989 سيئة الذكر. هذه التجربة التي كال بعدها القيادات والقواعد كل منهما للآخر التهم، وإلقاء المسؤولية، بعيدا عن الصدى الإعلامي. فقد رأت القيادة أن القواعد هي التي زجت بها في هذه التجربة، من أجل الاستعراض وإغاضة الحزب الحاكم. أما القواعد قرأت أن القيادة لم تحسب خطورة الموقف، ومازالت مأخوذة بنشوة إسقاط بورقيبة. والحاصل من الموقفين أن التجربة كانت مخطئة. وقد خاضت الحركة في هذا الفضاء الجديد تجربتين مهمتين:

- التقدم بطلب رسمي لوزارة الداخلية لنيل التأشيرة القانونية.

- تغيير التسمية: تم ذلك إثر نقاش طويل، توج بالمحافظة على التسمية القديمة داخل الجامعة.

وكانت التسمية الجديدة علامة على التيار الإصلاحي، الذي انطلق منذ نهاية القرن التاسع عشر، وقدمت الحركة تيارا إصلاحيا منحها الشرعية التاريخية.

المسار

دخلت البلاد منذ بداية التسعينيات مرحلة لم تقرأ حساب حجمها، ولم يكن للمجتمع التونسي طاقة لتحملها، ويمكن رصدها في أربعة وجوه:

- دخول أغلب رموزا الحركة ومعظم أبنائها السجون، ومعاملتهم أسوء معاملة شهدها تاريخ البلاد، من تعذيب وتقتيل وتجريم وتشريد وتشف وإذلال، مما أعاد الذاكرة إلى تجربة الإخوان المسلمين، سواء في مصر أو سورية، بل هناك من يعتبر التجربة التونسية أكثر مرارة لانسداد أفق الحل.

- اعتبار الحركة أمرا منتهيا داخل البلاد، ووجودها في الهجرة، مع التزامها نوعا من النشاط الإعلامي والسياسي، منضبط بالمواثيق والقوانين القطرية والدولية.

- دخول عوائل أبناء الحركة والمناضلين، الذين أنهوا مدة العقوبات في حالة بؤس وفقر، وكذلك دخول البلاد في حالة رعب، وفقدان الشعور بالأمان... كما شهد المجتمع ردّة أخلاقية وحضارية فضيعة، صنعها النظام باعتدائه على الحجاب والمساجد وإضعاف الخطاب الإسلامي وتمييعه.

- كشفت المواجهة الجديدة أن الحجم الهائل، الذي كان يلتف حول الحركة ما كان إلا وهما، مصداقا لقوله تعالى "ليميز الخبيث من الطيب"، فقدمت السلطة خدمة جليلة للتيار الإسلامي، بغربلة آلاف الأنصار وعشرات القيادات.

الآفاق

من الحكمة التريث قبل الخوض في تحليلات واستشرافات قد يفندها المستقبل القريب، فكل الاحتمالات مفتوحة في ظل نظام مزاجي يصالح ويعادي. وكل الاحتمالات مفتوحة لأكثر من شق وأكثر من وسيلة عمل، بل حركة لها رصيد نضالي هام أثبتت خلاله قدرات خارقة على الصبر والمغالبة.

وفي ظل غياب هذه الحركة التي كان لها تأثير ميداني على مدى عشرين سنة، برزت إلى السطح حركات أو تيارات إسلامية جديدة، تحاول استئناف الدور التقليدي الذي كانت تلعبه الحركة الإسلامية الأم في تونس. فمن أوجد هذه التيارات وهل هي قادرة على كسب شارع لم يألف خطابها من قبل؟ ما علاقتها بالسلطة؟ وهل ساهمت هذه الأخيرة في إنشائها من عدم؟ وهل يكتب لما أنشأه الظرف الاستثنائي الاستمرار في الظرف الطبيعي؟.

 

1 - وهو المشروع الذي احتواه النظام من وثائق حركة النهضة لصياغة ما سمي بلجان الأحياء.
2- المهندس علي الزروي قيادي من حركة النهضة أصيل مطماطة الجديدة بقابس غادر السجن منذ أكثر من سنة
3- نشرت في كتاب "أشواق الحرية" "للهاشمي الحامدي" الكويت، 1989، ولمزيد التوسع أنظر: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، عبد المجيد النجار، تونس ، دت.

 

(*) روائي وشاعر عضو اتحاد الكتاب التونسيين صدر له رواية "ترشيش الأعرج" وله دواوين شعر وروايات أخرى تنتظر الطبع.

 

Par hamselhorria.over-blog.com - Publié dans : كتب
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Vendredi 17 septembre 5 17 /09 /Sep 17:16

من أجل عقل إسلامي عام 

 

 

بقلم : فريد خدومة (*)

 

عندما يحاول الباحث أن يدقق النظر في الدين الإسلامي يخلص إلى العديد من الحقائق ولكن أعلاها وأجلاها أن هذا الدين دين توحيد ووحدة، رب واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد، والتوحيد أساس العقيدة وعليه مدار التشريع، وبه يتميز  المسلم عن غيره من بني الإنسان. ولكن يصدم الباحث عندما يحاول تنزيل هذه الحقيقة، فالمسلمون أشتاتا ومتفرقون وأبعد ما يكونون عن الوحدة. فهل هذه العقيدة غير قابلة للتحقق وهي أقرب ما تكون إلى مثل منها إلى واقع نام ومتحرك أم أن الخلل في معتنقي هذا الدين؟

كل منصف سيترك احتمال كون هذه العقيدة منتقصة ويذهب إلى احتمال كون المسلمين صورة لا حقيقة وكونهم أبعد ما يكونوا عن فهم قيم هذا الدين العميقة ولنكون منصفين يجب أن لا نرمي هذه العلل على الآخر المتربص. الذي من حقه أن يكون متربصا ما دمنا سلمنا بأنه آخر. ولكن يجب أن نعتقد أن البيت بنيانه مهترئ ينخره السوس حتى نعاود البناء إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا.

 

استفهامات محرجة

هل نحن راضون لما آلت إليه أحوال المسلمين

مصائرنا ليست بأيدينا

لسنا أحرار في معتقداتنا

لسنا أحرار في ممارسة شعائرنا

هوة سحيقة بين الحاكمين والمحكومين

تأخر فكري واقتصادي واجتماعي

أرزاقنا بيد الآخر يتحكم فيها كيفما يشاء

الجلادون يسبقوننا إلى المساجد بل يجلدونا باسم الدين

استثماراتنا في الغرب تكفي إن عادت إلى أوطاننا  لنشهد طفرة اقتصادية في ظرف وجيز جدا لكن ما السبيل إلى تفادي كل هذا؟ لسبيل هو التفكير في موضوع الوحدة من جديد.

 

الوحدة المقصودة

لا أدعو كغيري إلى وحدة أنظمة والعودة إلى نظام الخلافة وإن لم أكن في يوم من الأيام ضد هذا الطرح ولكن الواقعية تفرض علي المطالبة بتحقيق أقل من هذا.

إني أدعو إلى العودة إلى التاريخ قراءة ونقدا ودون تعصب وإلى إعادة تشكيل العقل الإسلامي العام لا إلى تأسيس الجامعة الإسلامية فالعقل الإسلامي هو الجامعة الحقيقية التي لا تحتاج إلى مقرّ ولا إلى أمين عام ولا إلى أعضاء دائمين.

إنه العقل الذي يتجاوز أخطاء التاريخ ليصنع من الحاضر قاعدة انطلاق إلى مستقبل أفضل.

عقل إسلامي جديد سيهدم لا شك العديد من المعتقدات التي ورثناها عن آبائنا ظلما وعدوانا ولا علاقة لها بالدين.

العقل الإسلامي اليوم مرتهن بأعباء ماض بغيض. عقل يمكن أن يعيش في إيران ويمرض في باكستان ويدخل غرفة العناية المركزة في الكويت ويموت في تونس ليدفن في السودان.

عقل ليس فيه من معاني العقل إلا عقال يشده إلى الفتن وملوك الطوائف والمؤمرات التي كانت تحاك في خدور الجواري ضد الأمة والشرفاء والمجددين عقل سكران بدم عمر وعثمان وعلي والحسين وسيد قطب وحسن البنا... عقل أحاطت به خيوط العنكبوت حتى أصبح واهنا.

 

المبحث الفلسفي للعقل

اختلف الفلاسفة قديما وحديث في تعريف العقل وإن كانت أغلب التعاريف تصب في بعضها البعض فهذا الفيلسوف ينظر إلى العقل من زاوية والآخر من زاوية أخرى وأعتقد أن كل تلك التعاريف تحد لنا العقل. عند أرسطو أيضا الإنسان وحده يتميز بقوة النطق أو العقل وهو القوة القادرة على إدراك ماهيات الأشياء والخواص العامة المشتركة بين المحسوسات التي لا تتغير بتغير المكان والزمان. فالحواس إنما تدرك الجزئيات أي الأعيان المحسوسة في علاقاتها الزمانية والمكانية فتشير إليها وتصفها بصفة هذا الإنسان.

"إن العقل عند أرسطو هو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات المجردة إدراكا مباشرا وصورة توحد بينه وبين جميع أفراد النوع"[1].

عند أرسطو أيضا الإنسان وحده يتميز بقوة النطق أو العقل وهو القوة القادرة على إدراك ماهيات الأشياء والخواص العامة المشتركة بين المحسوسات التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان. فالحواس إنما تدرك الجزئيات أي الأعيان أبيض وهذه إمرأة زنجية وأما العقل فيدرك الكلّي فهو لا يتعلق بهذا الإنسان أو ذاك وإنما هو يتعلق بماهية الإنسان التي تنطبق على جميع الأفراد في كل زمان ومكان[2].

وأما المعري فهو يؤمن بالعقل إيمانا وطيدا وقد صرح بإيمانه به في مواضع كثيرة من اللزوميات خاصة ورسالة الغفران والفصول والغايات عامة، فالعقل هو المرشح الأمين وهو الهادي إلى الحق وهو المنقذ من الحيرة والضلال فهو أصل من أصول المعرفة فلا سبيل إليها بدونه[3].

وأما الغزالي فيقول بأن الناس اختلفوا في حد العقل وحقيقتة وذهل الأكثرون عن كون هذا الإسم مطلقا على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يطلق بالإشتراك على أربعة معان الأول : الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية.

الثاني: هي العلوم التي يخرج للوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الإثنين أكثر من الواحد وأن الشخص لا يكون في مكانين في وقت واحد.

الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال.

الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها[4].

 

وجهة البحث:

إني أذهب إلى اعتبار العقل، تلك المعارف التي حصل عليها الإنسان نتيجة قدرته على التمييز. تلك المعارف المتراكمة. قال الفيلسوف الفرنسي ديكارت العقل هو التاريخ... تلك المعارف تدافعت وتصارعت لتنتج ثم تعود لنفس الحركة حتى أنتج الإنسان حضارة.

العقل هو ملكة الرفض والقبول عند الإنسان وهو ملكة التمييز و ملكة الاختيار وملكة الترجيح.

والعقل وهو الإنسان الحر المختار الذي كلفه الله سبحانه وتعالى بخلافته على الأرض إذا هذا العقل متنوع تنوع الحضارات ومختلف اختلاف الإنسان مع أخيه الإنسان ومتميز تميز المعرفة الإنسانية وواحد توحد المُنشئ الخالق.

العقل يشكل حلقة الوصل بالمعنى التعليمي بين كتابي الطبيعة وما بعد الطبيعة وبالمعنى الجوهري بين العلم البشري والعلم الإلاهي[5]. إذا فهناك عقول لابد من التمييز بينها.

 

تعدد العقل:

من التعريف السابق خلصنا إلى أنه يوجد عقول مختلفة متداخلة يمكن الجمع بينها ويمكن التمييز بينها أيضا وربما يتم احتواء الواحد للآخر أو إنتماء الواحد لآخر أكبر منه.

يقول محمد المصباحي "لو تم القبول بوجود عقل خاص بكل فرد فإن حل مشكلة توفير شروط الموضوعية والكلمة والتواصل تظل عالقة مما يعني تهديد إمكانية قيام المعرفة العلمية ونقلها بذلك نجد أنفسنا من جديد أمام خيار صعب إما أن نؤسس مصداقية المعرفة العلمية ولكن لقاء ثمن إلغاء الفرد أو أن نكرس ذاتية الفرد فتضيع إمكانية المعرفة الموضوعية بعبارة أخرى إن إلغاء الأنا الفردي لصالح الأنا الكلي قد يؤسس الموضوعية والكلية ولكنه يقود في المقابل إلى إثبات أنا مركزي لا يعترف بغيره فيطغى الإختلاف وتستحيل إمكانية التواصل"[6].

إني على اختلاف شديد مع المصباحي في طرحه السالف إذ لا أرى في إثبات الأنا الكلي أي إعدام للأنا الفردي ولا في إثبات الأنا الفردي أي إعدام للأنا الكلي إذ الكلي هو جملة أفراد أو عناصر في نهاية المطاف ولا وجود له إلا بهم والأنا الفردي عدمي ولا تواصلي في ظل غياب اتحاده مع أنا فردي آخر وآخر حتى التوصل إلى تأسيس أنا كلي مركزي متميز عن أنا كلي مركزي آخر له خصوصياته وسوره الواقي.

 

نظرة استقرائية لتقسيمات العقل:

من خلال الإستقراء توصلنا إلى أن العقول متعددة فعقل إنساني وعقل عام وعقل مدرسي وعقل تنويري وعقل متحفي والقائمة تطول.

 

العقل الإنساني:

أعلى العقول وأشملها وأعمها وهو بمثابة المخزون البشري المختلف المتفق، هو البيت الذي خزن الإنسان فيه جملة تجاربه ومعارفه ومختلف دياناته وهو تام متحرك ولا جغرافي، عقل لا لوني ولا ديني بل هو يحوي الأرض وآخر لحظة من المكتشفات البشرية وجزء لا بأس به من الماورائيات. هذا العقل مرجعيته الأولى والأخيرة الإنسانية وهو عقل محدود بالنسبة إلى معارف الله المطلقة وهذا العقل هو الإنسان الصفر الإنسان الإستخلاف "وإذ قال ربط للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"[7]

 

العقل العام

هو عقل جزئي بالنسبة إلى العقل الإنساني وهو عقل متعدد ومن تجمعه يتشكل العقل الإنساني.

إنه إذن عقل أمة فالأمة جزء أساس في تركيبة الإنسانية. هذه الأمم تجمعها روابط مقدسة أو شبه مقدسة ومبدأ التعامل بين هذه الأمم أو العقول مبدأ التعارف الإنساني أي التفاهم والتلاقح والتنوع قال تعالى "يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ..." [8] .

المخاطبون في هذا النص القرآني "الناس" أي الإنسانية جمعاء إذ لو كان المخاطبون أمة الإسلام لناداهم الله سبحانه وتعالى بقوله "يا أيها.... الذين آمنوا" فالمؤمنون جزء من كل اسمه الناس أي بني الإنسان، وعلى عكس ما يدعوا إليه بعض المفكرين الغربيين من صراع الحضارات نحن المسلمون ندعوا إلى حوار الحضارات المبنى على أصل التعارف القرآني المذكور في الآية.

العقل العام هو العقل الذي ندعوا إليه بل ونحث على استحداثه وجعله المرجعية الأساسية وندعوا إلى استحداث العقل العام الخاص بأمتنا إنه العقل الإسلامي العام.

 

العقل الإسلامي حقيقة أم وهم؟

عند ما يطرح السؤال بهذا الشكل فكأننا نشكك في كوننا أمة بأتمّ معنى الكلمة وبما أن الأمر صار مسلّما به عند الآخر قبل الأنا فسنتجاوز تلك المناقشات العديدة لنصل بكل ارتياح إلى كوننا أمة وما دمنا أمه فلنا عقل إسلامي عام واحد ولكن حاولت بعض العقليات الإقصائية تهميشه وتغييبه بل وتقزيمه والدعوة إلى أمم داخل الأمة الواحدة أي إلى عقول داخل العقل الواحد وإن كنا نقرّ بوجود عقول داخل العقل الواحد ولكنها عقول لا ترقى إلى مستوى أن تكون عقلا عاما مرجعا يحفظ بيضة الأمة.

نحن نقر بوجود عقول مدرسية أو مذهبية لا مشاقة في الاصطلاح فهي نواتات مشروعة تكوّن في مجموعها العقل العام الذي ندعو إليه، ولكن أن تكون هذه العقول المحدودة جغرافيا وفكريا عقول لها الحق في التحدث باسم الأمة جمعاء، فهذا خطأ جسيم قد جر الأمة في الماضي إلى التناحر والبغضاء ويهددها اليوم بالانقسام والانفصال.

العقل الإسلامي العصام هو العقل المسيطر على كل الرقعة الإسلامية للأمة بل ويتجاوزها حديثا جغرافيا عندما أصبح العالم قرية كونية وأصبح للمسلمين وجود حقيقي في الغرب فهو في كثير من البلدان الغربية الدين الثاني.

إن العقل الإسلامي هو العقل الصانع للحضارة الإسلامية والعقل المواكب الحارس كما أن لكل أمة عقلا صانعا ومواكبا ثم حارسا. هذا العقل الذي له القدرة على إستكناه الأحداث والسير بها في اتجاهها الصحيح.

يقول المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي "إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها"[9].

إن الأمة الآن أحوج ما تكون إلى استعادة عقلها الإسلامي العام المرجع النابع من دينها وحضارتها وخصوصية الفرد فيها لا على البحث في عقول الآخرين عن سبل النجاة.

"العالم الإسلامي يتعاطى هنا "حبة" ضد الجهل ويأخذ هناك "قرصا" ضد الإستعمار وفي مكان قصي يتناول "عقارا" كي يشفي من الفقر فهو يبني هنا مدرسة ويطالب هناك باستقلاله وينشئ في بقعة قاصية مصنعا ولكنما حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح العافية. أي أننا لن نجد حضارة. إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها"[10].

 

الهوية:

أصبحت الهوية من المواضيع التي شغلت كثيرا من الدراسات والمؤتمرات وأصبح الخلاف حول تحديد ما هيتها و ليس لنا إلا أن نضيف أنها  السمت  الذي تختص بها الأمم هو بمثابة  تميّزعام يجعل من الأمة نموذجا فريدا.

الهوية "كذلك ليست سمة جامدة تظهر بشكل واحد في كل أدوار التاريخ لأن الهوية مرتبطة بحياة الأمة وكذلك فإن هذه الهوية تتطور مع تطور السياسي والاجتماعي وتأخذ الأشكال والجواهر التي يفرضها هذا التطور"[11].

بعد أن سلمنا بأننا أمة ولكل أمة هوية ولكل أمة ذات هوية عقل مرجح جامع حاكم فممّا يتشكل هذا العقل المرجع.

 

المتفقات

لا يمكن الحديث عن عقل اسلامي عام مرجع إلا عند الحديث عن متفقات ومرتكزات، عليها يقوم بناء العقل بناء صلبا قويا لا تهده رياح الاختلاف والتميز ولعلنا كمسلمين نملك العديد من المتفقات التي لا يختلف حولها إثنان مهما تباعدت بينها عصبيات المدارس.

"إن المتفق عليه كثير جدا وإن التشبث به وحده كاف في النجاه فالإيمان بالله ولقائه والسمع والطاعة لما جاء عنه وأداء الأركان المجمع عليه النفوس على مكارم الأخلاق وأشرف التقاليد... إن هذا كله يقيم أمة لها مكانتها في الدنيا والآخرة"[12].

كذلك عندنا مراجع متفق علها بين جميع أفراد الأمة وأهمهما الكتاب والسنة وإن كانا يفتحان على نظرات خاصه ورؤى مستقلة لأنهما حمّالا  أوجه. إن القرآن وكذلك السنة قد حثا على التفكر والتدبر وإعمال العقل، والآيات والأحاديث في هذا الشأن معلومة وواضحة.

 

حق الاختلاف وواجب وحدة الصف:

حق الإختلاف إشكال يفتح على اشكالات أخرى لا تقل عنه أهمية ومن أبرزها:

هل الإختلاف داخل فضاء الأمة الرحب رحمة أم عذاب؟

ما آليات الإختلاف؟

هل الحق متعدد أم واحد مستتر وما السبيل إليه؟

عندما تتحدث عن العقل العام الإسلامي تتحدث عن عقل يسبح في فضاء جغرافي ممتد بل ويمتد لتجاوز الجغرافيا التقليدية إلى فضاءات جغرافية ليست له أصلا وأقصد بهذا ما اصطلح على تسميته تاريخيا بدار" الكفر" هذا الفضاء الممتد ملايين  الكيلومترات والذي تجاوز المليار نسمة من مختلف الأجناس والعادات واللسان والمناخ كل جزء منه له تاريخ خاص به ما قبل تشكل الأمة في ثوبها الإسلامي الخاتم، وبعد تشكلها أيضا فالأحداث التي عاشتها سمرقند وأثّرت في نسق تفكير أبنائها جرأة وجبنا تقدما وتأخرا استقلالا وتبعية تأثيرا وتأثرا ليس له أية صلة بما عاشته القيروان أو دمشق من أحداث.

أنا مع من يعتقد بأن العقل العام تصنعه العامة قبل الخاصة وإن كان للخاصة تأثير فيه وحتى إن اعتقدنا بأن الخاصة هي من يصنع الحروب والسلام فإن العامة هي التي أتت بالخاصة إلى السلطة وإن لم تأتي بها فهي التي أطاعتها على ذلك وهي في الأول والاخر وقود الحرب وآليتها. إن العامة هي التي تصنع الثورات وعقولها هي التي تنتج المعرفة.

العادات والتقاليد خلقت في الأزقة والحواري قبل القصوروصنعت في المعابد والمدارس والأسواق.

العقل العام إسلامي كان أو غير اسلامي مثقل بكل هذه التجارب والمعارف والمعتقدات عقل جمعي عام عقل أبوي مرجع.

 

البنك المركزي للأمة:

إن البنك المركزي للأمة حقيقة لا وهما وإن كانت حقيقة غائبة ومغيبة في نفس الوقت إلا أنها ضرورية ولزومية إلى أبعد الحدود فهي بمثابة الحد الجامع المانع وهي ليست مخزنا معلوماتيا بل هي عقل منتج فعال ومرجع في نفس الوقت.

يوجد في هذا البنك العملة المركزية الموحدة للأمة التي بها نسيّر نظم الحياة داخل الأمة. النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

إن هذه العملة المركزية تميزنا عن باقي الأمم التي لها أيضا عملتها المركزية الخاصة بها.

هذه العملة هي عملة الهوية بمعنى المتفقات والمرتكزات الضرورية العامة.  بداخل هذا البنك أيضا مخزون من العملات المحلية متمايزة  وربما متداخلة في بعض الأحيان إذ الأمة مجموعة أوطان والعقل المركزي العام مجموعة عقول مدرسية خاصة متمذهبة. البنك المركزي لعقل الأمة يحتوي على مخزون المذاهب مجتمعه أو لنقل مدارس أفضل وأهذب ولكل مدرسة "سكّتها" الخاصة بها، والتي على قفاها صورة المؤسس وعلى القفا المقابل "لا إلاه إلا الله محمد رسول الله" يقع تداول العملة المدرسية في مناطق نفوذها وحتى خارج مناطق النفوذ ولكن مع التنبيه على أن تعاملات الأمة في مجموعها مع غيرها من الأمم يجب أن يكون بالعملة الرسمية عملة العقائد المتفق عليها التي حددتها النصوص قطعية الورود قطعية الدلالة لا الخرافات والأحلام أو الأحداث والتواريخ أو الرجال إذ لا حجة للأحداث التي يصنعها الرجال أو أفكار الرجال عن العقائدالتي جاء بها الوحي من عند الله ولا بد أن تكون هذه العقائد محل إجماع الأمة على اختلاف وتنوع مدارسها دون إقصاء ولا تهميش ودون أن تفرض مدرسة على أخرى إلا واجب الاحترام والإنصات وحق قرع الحجة بالحجة والبرهان، والرجوع إلى الحق بعد أن تساهم جميع الأيدي في إعلاء رايته والنكوص عن الباطل بعد أن تدوسه جميع الأرجل.

 

ورقة افتراضية:

هذه ورقة افتراضية من ثلاث بنود  نعتقد بأنها موجودة في أرشيف البنك المركزي الإسلامي العام وقد رأينا أنه من حق الأمة علينا ابرازها للناس بعد أن ظلت حبيسة الأرشيف.

إن المتفق عليه كثير جدا وإن التشبث به كاف للنجاة كما ذكرنا من قبل.

المذاهب الإسلامية الكبرى اختلفت في الفروع لا في الأصول وكان من الممكن أن يتعاون الأتباع فيما اتفقوا فيه وأن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا عليه وهذا ما آثره أولو الألباب ولكن المرضى بالشقاق عكروا الصفو ومزقوا الشمل.

عند التأمل في الشركة الثقيلة من الخلافات التي ورثناها نجد أن بعضها أملاه التعرف العقلي وأنبعضها الاخرلفظي لا محصل له وأن منها ما أشعل ناره الاستبداد السياسي واستبقاه عمدا إلى يومنا هذا وأن منها ما يصح أن يكون مسرحا لنفر من الخاصة ويعد اشتغال الجماهيربه جرما  وأن منها ما جمده المقلدون المذهبيون لقصور شائن في معرفتهم[13]. يقال أنه لا بد  من حفظ  بيضة  الأمة ونحن نقول أن هذه البيضة لا يمكن حفظها إلا بتعايش جميع المدارس متآخية، تلك المدارس التي تتلمذت على نفس المعلم، إنه بدون منازع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إننا لا ندعو إلى غض الطرف على أحداث الماضي الأليم ولكن ندعو بكل علمية محايدة ونزيهة إلى إعادة تقديم تلك الأحداث وقراءتها واستخلاص العبر منها بكل موضوعية وحيادية رافعين شعار واحد لا لتكرار المآسي قال تعالى:"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"[14]

 

دعوتان هامتان:

أ- الدعوة الأولى: ندعو جميع المدارس إلى تفهم خصوصيات المدارس الأخرى  وتعصب عوامها وبعض من العلماء التقليدين ومن نتاج هذا التفهم عدم استعمال عملتها المحلية داخل الفضاء التقليدي للمدرسة الأخرى كي لا يُعتبر نوعا من التحدي والغزو ولتجنب الفتنة وكما يقول المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".

الآن عندما صرنا لا نحترم الحق التاريخي في الفضاء الجغرافي للمدرسة الأخرى صرنا نجني ثمار ذلك اقتتالا بين أبرز مدرستين إسلاميتين مدرسة السنة ومدرسة الشيعة في الباكستان والهند وفي أفغانستان بل وفي إيران ولا حجة لنا أن نتضرع بحرية التعبير التي كفلها الإسلام كي نريق الدماء، فعقول شكلها التاريخ على أوهام حتى صارت عقائد لا يمكن لحجج نحاول حديثا نفض الغبار عنها أن تزيل ترسبات مئات السنين إذ لا بد من الصبر والمصابرة حتى يقبلك علماء المدارس الأخرى ناهيك عن قبول عوامها إذ لو قدناهم طائعين إلى فضاء البنك المركزي لعقل الأمة، لحققنا انتصارا عظيما يحفظ الدم المقدس ويحقق لنا فضاء رحبا من المتفقات من خلاله نبلغ الفضاء المدرسي الخاص والضيق دون خوف، وحتما سنصل إلى اعتماد عملة إسلامية موحدة ولكن بعد صبر وحكمة.

ب- الدعوة الثانية: ندعو إلى تجنيب الفضاءات العربية الإسلامية الجديدة في الغرب حمى التمدرس والتمذهب والتعصب إن هذا الفضاء الجغرافي المبعثر والجديد والذي يحتل قلب "دار الكفر" هو من حق البنك المركزي لعقل الأمة فقط.

ينشط في هذا الفضاء المسلم دون إضافات لا يقدم فيه إلا الإسلام سواء كان الداعية شيعيا أو سنيا فتمدرسه يلزمه فقط ولقد استمعت لأحد أساتذة علم اللاهوت الإنقليزي[15] يدعو الدعاة المسلمين إلى تجنيب المسلمين الغربيين الجدد اختلافاتهم المدرسية كي يسهم ذلك في خلق الجيل الإسلامي المحض الذي حرمنا منه ونحن الآن نصبواإليه. أليس الأجدر بنا أن نصدّر لهم قيم ديننا قيم الوحدة والإيمان العميق والرحمة عوض أن نصدر لهم الفرقة والاختلاف. هل انتصرت عندما أدخلت لمدرستي أنقليزي أو فرنسي أم أن الانتصار يكون أعظم عندما أقدم للأمة مسلما جديدا يحب الأمة بمجموعها دون تفرقة. مسلم مستعد للموت دفاعا عن مكة والمدينة والقدس والنجف وإسلام أباد والدار البيضاء على حد سواء.

 

المدارس بين اتجاهين:

يوحي سياق الدراسة بأن البنك الإسلامي لعقل الأمة أنشئ من أجل رأب الصدع بين المدارس المختلفة عقائديا أي ما يعبر عنه حديثا باسم الأحزاب ولكني أؤكد أن الخلاف بين المدارس الفقهية كبير جدا، وعلى هذا فالدعوة للتفاهم تشمل الجميع وبدون استثناء.

الحق أن الخلاف بين المدارس العقائدية نستطيع تجاوزه بشيئين مهمين الأول هو الابتعاد عن المنطق التكفيري الذي يخرج الآخر من الأمة لمجرد أن له رأي عقائدي أو دليل مخالف لما عندي.  لن ندعو إلى تضييق دائرة التفكير وقد كُتب في هذا الكثير( ونحن نشير إلى فصل التفكير في الرؤيا الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس ) فذاك يشفي ويكفي وأما النقطة الثانية وهي الاعتقاد بأن لكل منا الحق في التأويل.  ولا لاحتكار هذا الحق أو الاعتقاد بأنه حلال علينا حرام على غيرنا وعلى هذا يرجى الرجوع إلى العديد من الكتب التي تناولت موضوع التأويل بإطناب.

أما في ما يخص المذاهب الفقهية فإننا نجمل الخلاف فيما يلي.

 

أسباب الخلافات الفقهية:

تعود أسباب الخلاف بين المذاهب الفقهية على عدة نقاط سنبينها لاحقا إذ لو روعيت لما كان المتعصبون وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فرقة وخلاف حتى أصبح الشافعي لا يصلي وراء الحنفي ويستفتي الشافعي في زواجه من شافعية.

أهم هذه الأسباب على ما أورده ابن تميمة[16].

ربما لا يبلغ الحديث الفقيه المجتهد لقد كان أبو بكر لا يعلم السنة في ميراث الجدة حتى أخبره من يرويها وكما يقول الدكتور الغزالي[17] من لم يبلغه حديث ما ربما اعتمد ظاهر آية أو حديث آخر أو على قاعدة عامة أو لجأ إلى القياس ...

قد يبلغ الحديث الفقيه ولكنه يرفض سنده لعلل قادحة فيه وربما بلغ غيره بسند أجود فيأخذ به والخلاف بين العلماء في تقويم الرجال وبالتالي قبول المتون أمر شائع.

 من الفقهاء من يشترط في قبول خبر الواحد شروطا لا يوافقه غيره عليها.

اعتقاد ضعف الحديث لفكرة خاصة

أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه

اعتقاد الفقيه أن لا دلالة في الحديث على ما يراد

  قد تتساوى الدلالات المختلفة في إفادة معان كثيرة ويصعب ترجيح وجهة على أخرى

قد يكون الفقيه – مع جودة حفظه واستنتاجه – قد اخطأ في تقرير المقدمات التي انتهت بالنتيجة التي رآها

من الفقهاء من يرد الحديث الصحيح إذا خالف القياس الكلي ومنهم من يرده إذا كان عمل أهل المدينة المنورة على خلافه فإن عملهم أدل على السنة من خبر الواحد.

 

حاجتنا إلى العملة الموحدة:

قد بينا سابقا أن العملة الموحدة ضرورة حضارية والعملة المحلية ضرورة واقعية ولكل دوره ومجاله وفضاؤه.

إن تنوع العملة داخل الأمة الواحدة لدليل جازم على التحرر والتفتح وإعطاء العقل مكانة تليق به.

إن العملة الواحدة كالوصفة الواحدة التي قد تشفي زيدا وتقتل عمرا في  نفس الوقت .

الضامن الوحيد لتعدد العملة هو فهم الأفراد أن القُدسية الأولى والأخيرة للعملة المركزية التي يتفق عليها الجميع دون نزاع .  فلا يحل لنا بأي وجه من الوجوه أن نحارب باقي المدارس  لرفضها مثلا التعامل بعملتنا المحلية أو أن نسخر منها أو نجهلها والداء كل الداء أن نسارع إلى إشهار سيف التفكفيرفي وجوه إخوتنا.

إن العملة الأخرى مقبولة أحببنا أم كرهنا ما دامت قد سُكّت عن وعي وإدراك ودليل على ما تقتضيه الأدلة من إثباتات، وهذا الكلام لا يصبغ أي قدسية إلى أية عملة مدرسية بل كل العملات قابلة للتداول وقد احتفظ البنك المركزي لعقل الأمة منه باحتياطي هام.

إن الحق واحد ما دمنا ندين بدين التوحيد ولكن الطريق إليه مختلفة ومتشبعة ومتباينة وكل منا إذا ادعى أن الحق عنده وحده فقد نفى حق الوجود عن الآخر واعيا كان بخطورة ما أقدم عليه أو غير واع.

إنه عليك أن تعتقد أن الحق معك ما دامت العقائد والأصول لا تأخذ بالظن وفي نفس الوقت يجب أن نعتقد أن الحق الذي عندك يحتمل الخطأ دليلا وقراءة له ووصولا إليه وفي نفس الوقت عليك أن تعتقد أن رأي غيرك خطأ لأنك إن اعتقدت أن الحق معه وجب عليك إتباعه أو تصبح من المكابرين ولكن ذلك الخطأ في نظرك يحتمل أن يكون صوابا وإلا ما كان للآخر أن يتبعه[18].

 

3- العقل المَتحفي

لا عصمة لمدرسة داخل أسوارها أو بينها وبين المدارس الأخرى إلا في إعادة ترتيب بيتها الفكري من الداخل من حين لآخر، لأن الزمن جلاب لمعطيات ومفاهيم جديدة والعقل الذي ينام على مقالات الأسس هو عقل مَتحفي لا قدرة له على السير في الشوارع والطواف بالأسواق.

النازلة نراها حية ثائرة تحاول أن تفجّر ما حولها وربما تحاول تفجير المدرسة بل وتحتوي على الأمة لو لا عصمتها في مجموعها والعقل المخول له النظر في القضايا والذي أمده الله بنور الشرع يرجع في بحثه إلى دهور غابرة لم تكن فيها أصلا تلك النوازل قائمة. نحن مع الرجوع إلى الأصول كي لا يفسر قولنا هذا على غير ظاهره ولكن نحن ضد التفسيرات الميتة التي لا يجوز إلا أن نطلق عليها تاريخ الفقه لا الفقه وتاريخ العقائد لا العقائد.                              

 

4- العقل التنويري: هو العقل الذي يحاول أن ينفض عن أصوله الغبار وأن يبرزها للناس بحلة جديدة أنيقة تتناسب مع مقتضيات العصر لا نقصد هنا تطويع أصولنا لهذه المستجدات بل جعل أصولنا نابضة بالحياة لا مركونة بالرفوف وفي نفضنا للغبار عنها نبدأ من جديد في رحلة صعود قوية ومتينة ومرشدة.

 لا مناص لنا إذا من طرح أسئلة محرجة على عقولنا ولا مناص من الصدع بأجوبة صريحة حتى نستطيع الخروج من أسر المتحفية.

 ما معنى أصول ومرجعيات؟

كيف قرأت وكيف يجب أن تقرأ وما الفرق بين القراءة والتفسير والتأويل؟

المقارنة بين مختلف القراءات وضرب الحجة بالحجة

فصل العقائد عن الأحداث

فصل المتفقات عن المختلفات

 

الانتساب:

وإن كنا نقر بحق الانتساب المذهبي إلا أننا ندعو إلى سياسة انفتاح بين مختلف المذاهب أو المدارس.

إن هذا الانتساب وإن جر علينا كثيرا من المتاعب إلا أننا نستطيع بإرادة حازمة وواعية أن نحوله إلى عنصر قوة بعدما كان لفترة طويلة أداة هدم.

إننا ندعو إلى انتساب مرجعي أعظم وهو الانتساب إلى  أمة الدين أمة الهوية بدون منازع. إن هذا الانتساب الأعظم لا ينافي البتة أي انتساب مدرسي بل يحتويه ويوفر له الأرضية كي ينمو ويترعرع، ولكن بجانب المدارس الأخرى.

إن الفرص تُمنح لجميع المدارس على حد سواء. إن كنا حقا نريد أن نحافظ على كيان الأمة هذا الكيان الذي له علينا حق الحماية قبل المذهب لأنه هو الحامي للمذهب.

المذهب ربما يضعف الأمة إن حاول أن يفتك منها دورها وبالتأكيد رحلة السيف والتكفير.

السيوف والتكفير تحالف شيطاني بين قوتين رجعيتين الأولى مادية والثانية فكرية عقائدية. إن هذا التحالف قد فتّت الأمة على مدى تاريخها الطويل، وإن كنا منصفين ودون أي تعصب مذهبي نستطيع أن نقول بأن محنه الأمة ابتدأت يوم سقيفة بني ساعدة، في ذلك اليوم تُرك الإسلام ولأول مرة دون دعم السماء المباشر الذي يمثله الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم. لأول مرة تقبض يد يمنى لمسلم على مقبض سيف ضد أخيه المسلم.-

إن هذه الثنائية حرمت كثيرا من المفكرين من البروز وإعلان آرائهم التجديدية وحرمت كثيرا من الأحزاب الإسلاميّة من البروز وحرمت الأمة من عديد المؤلفات التي أحرقت ورميت في الأنهار.

بكل إنصاف هل كان الحجاج استثناء في أمتنا الإسلامية فكم عندنا من حجاج ما زال على قيد الحياة ؟ لو كنا حقا معانقين لأصولنا وديننا الحنيف ولم تحاول الدنيا اللعب على أقدس ما في الفرد بعد الروح ألا وهو العقل، لكنا وقّافين عند النصوص التي تُؤسس للأمة فقط للأمة وبدون نزاع للفرد المقدس. أين نحن من قوله صلى الله عليه وآله وسلم "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" ؟[19] وقوله صلى اله عليه وآله وسلم "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"

 

حق الانتساب الخاص وواجب الانتساب العام:

إن المتتبع لأصول ديننا الحنيف تتبع الفاحص ليس له إلا أن يقر بحق الانتساب الخاص أي المدرسي وذلك لاختلاف العقول في تقبل الأدلة واستيعاب الحوادث مع تشتت تلك الأدلة واختلاف طرق نقلها ودرجاته. قلنا سلفا حق الانتساب المدرسي مع واجب الانتساب العام إلى الأمة لأنها الأم التي جمعت تحت جناحيها ما تشتت من أولادها مهما باعدت بينهم الشقة فترى كل واحد منهم يجلها أو يخشى عقوقها ويطلب ودها ورضاها.

هذه الأم هي الأمة في مجموعها أمة الرسالة الخالدة وكما لا تسمح الأم أن تمتد يد أحد أبنائها للآخر، لا تسمح الأمة بذلك ولنعد إلى الحديث السالف على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".

نحن لا نطلب من هذا الولد أن يكون صورة طبقا للأصل من أخيه بل هذا مستحيل عقلا وشرعا وواقعا، بل نحن مع الخصوصية ولكن التي تعني التنوع لا الفرقة وقد درسنا في موافقات الشاطبي أن الإسلام حافظ على خصوصيات الأقاليم المفتوحة ما لم تخالف تلك الخصوصيات أصول الدين أو معلوما من الدين بالضرورة وكذلك درسنا في التاريخ وعلم الكلام المجادلات العظيمة التي كانت تدور بين مختلف المدارس الإسلامية في المساجد ولنكون منصفين كذلك درسنا أن كثيرا من تلك المدارس أبيدت وكثيرا من تلك الأصوات الحرة قطعت ألسنتها. هل نستحي إذا علمنا أنها أبيدت باسم الدين؟ كيف يمكن لنا أن نضع هذا الخطاب الوحدوي  أو لنقل التقريبي أمام ما يقع الآن مع تناحر واقتتال بين بعض أبناء السنة وبعض أبناء الشيعة في باكستان.

 

التاريخ يجني على الحاضر ويثقل كاهل المستقبل:

لا شكل أن جذور الخلاف ضاربة في التاريخ الإسلامي وهي حوادث لا بد أن تفصل عن إطارها الديني حتى تفهم في سياق سياسي بشري محض كذلك يجب ألا نهمل البعد الشرعي ولكن فصله عن الحوادث والرجال يدفعنا لمعركة علمية لا سيف فيها إلا الدليل القاطع البتار وهذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية.

نحن ندعو لبسط المادة التاريخية للبحث ولكن شرط أن تكون اللجنة المكلفة بذلك مختصة ولا يستثني منها أي مختص من أي مدرسة كان بل يدعى إليها المستشرقون الثقات وذلك لدراسة الحوادث الرئيسية وحتى الفرعية من جديد وبمنهجية تحليلية أكاديمية تنطلق من المدرسية إلى الأمة المرجع.

هذه الدعوة ليست جديدة بل قد شهد القرن المنصرم في بداياته وفي نهاياته مثل هذه الدعوة ولا يفوتنا أن ننوه بالجهد العظيم الذي يقوم به مجمع التقريب بين المذاهب في طهران من دور عظيم في هذا الشأن.

نحن لا نستنقص من تلك التجارب شيئا بل نشد على أيادي مسئوليها وندعو لإجراء نقد ذاتي موضوعي لنعلم بسبب تباطؤ خطواتها نحو الهدف الأسمى ألا وهو التقريب.

 

دعوة الغزالي:

دعا الشيخ الدكتور محمد الغزالي في كتابه دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين إلى محاولة جادة للتقريب بين السنة والشيعة أجمل أهم نقاطها فيما يلي ولا أجدني سأضيف على ما ذكر شيئا وعلى ذلك نقلت ما ذكر.

 

‌أ-        يتفق الفريقان في مؤتمر جامع على أن القرآن الكريم هو كتاب الإسلام المصون الخالد والمصدر الأول للتشريع وأن الله حفظه من الزيادة والنقص وكل أنواع التحريف وأن ما يتلى الآن هو ما كان يتلوه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وأنه ليس هناك في تاريخ الإسلام كله غير هذا المصحف الشريف.

 

‌ب-  السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم والرسول أسوة حسنة لأتباعه إلى قيام الساعة والاختلاف في ثبوت سنة ما أو عدم ثبوتها مسألة فرعية.

 

‌ج-    ما وقع من خلاف في القرن الأول يدرس في إطار البحث العلم والعبرة التاريخية ولا يسمح بامتداده إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم بل يجمد من الناحية العلمية تجميدا تاما وبيترك حسابه إلى الله تعالى وفق الآية الكريمة "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.

 

‌د-       يواجه المسلمون جميعا مستقبلهم على أساس من دعم الأصول المشتركة وهي كثيرة جدا – وعلى مرونة وتسامح في شتى الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية الأخرى[20].

كيف نفهم التاريخ؟

أعتقد أن الموضوعية تدعوني لاعتبار التاريخ تاريخا فقط.

لن أقول للشيعة كفى بكاء وحزنا ولن أقول للسنة تبرؤوا من تاريخ بني أمية جملة وتفصيلا بل أقول للجميع تعالوا إلى كلمة سواء. ألم يدعو الباري سبحانه وتعالى أهل الكتاب إلى كلمة جامعة بينهم تؤسس لتعامل أفضل، إذ يجمع بينهم كونهم أصحاب كتب سماوية قال تعالى " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم آلا نعبد إلا لله ولا نشكر به شيئا ولا يتخذ بعضها بعضا أربابا من دون الله...". أليست المدارس الإسلامية صاحبة الكتاب الواحد والنبي الواحد والكم الهائل من المتفقات أحرى بهذه الدعوة؟

إنها كلمة سواء داخل نفس الأمة تعصم دمك ومالك وعرضك

كلمة سواء تعطيك الحق في الإبقاء على مدرسيتك

كلمة سواء توجب عليك الرجوع إلى الأمة أولا  وآخرا.

كلمة سواء تجعلك حرا في السباحة داخل فضاء كبير جدا اسمه الأمة ولك الحق في العودة إلى شاطئ المدرسة التي انطلقت منها متى تشاء ولك الحق كذلك في الرجوع إلى شاطئ المدرسة الأخرى.

كلمة سواء تسمح لي بالقول وتفرض عليك الإنصات والعكس صحيح.

كلمة سواء تجعل من الفضل المدرسي عقلا تنويريا لا عقلا متحفيا

كلمة سواء تجعل الأخوة أصل يرجع إليه عند الخلاف لا فرعا مهملا.

كملة سواء تجعل الهوية الإسلامية أصلا وهوية المدرسة فرعا.

كلمة سواء تعيد للإسلام نظارته وتزيل التقسيم الجغرافي للمدارس فهذا بلد شيعي وذلك سنى والآخر بين بين بل أن كل تلك الجغرافيا الممتدة هي فضاء لأمة التوحيد أمة الإسلام الواحد

 

(*) باحث وكاتب تونسي - عضو إتحاد الكتاب التونسيين

 

-------------------------------

 

المراجــع

 

[1] - ص 83 تاريخ الفلسفة العربية د. جميل صليبا.

 

[2] - من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية للدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا، ص 182.

 

[3] - ص 592 من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية للدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا

 

[4] - تاريخ الفلسفة العربية للدكتور جميل صليبا، ص 423-424.

 

[5] - اشكاليات العقل عند ابن رشد محمد المصباحي، ص6.

 

[6] - اشكاليات العقل عند ابن رشد محمد المصباحي، ص8.

 

[7] - البقرة.

 

[8] - الحجرات

 

[9] - شروط النهضة لمالك بن نبي ص 21.

 

[10] - شروط النهضة لمالك بن نبي ص47.

 

[11] - من تعقيب ناجي علوش على مداخلة محمود أمين العالم بعنوان"الإبداع والخصوصية مجلة الوحدة" ص 22.

 

[12] - دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين للدكتور الغزالي، ص 54.

 

[13] - عن دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين للدكتور محمد الغزالي.

 

[14] - البقرة

 

[15] - حاوره الشيخ حمزة يوسف ضمن برنامج رحلة الشيخ حمزة المعروض في رمضان 2003 على قناة MBC . 

 

[16] - رفع الملام عن الأمة الأعلام.

 

[17] - دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين لمحمد الغزالي.

 

[18] - قال الإمام الشافعي، (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).

 

[19] - الأربعون النووية.

 

[20] - الكتاب المذكور أعلاه، ص 139-140.

 

 

عن مجلة أقلام أون لاين

 

 

 

 

 

Par hamselhorria.over-blog.com - Publié dans : كتب
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 15 septembre 3 15 /09 /Sep 17:01

 

الشخصية التونسية

في أدب التسعينات          " فريد خدومة"

 

مدخل عام:

عالم الأدب ذاك العالم المتعدد المتشعب السهل الممتنع الذي سمح للجميع أن يلجوه و لكنه لم يسمح إلا لقلة بالخلود.

عالم الأدب ذاك الملتصق الدائم بالفرد و بحياته و بهمومه و طموحاته قد شارك ذاك البائس أو السعيد همومه أو فرحه و لكن على طريقته الخاصة.

قد دخل الأدب بتراكماته الزمانية و الانتاجية كل ثقافة و حضارة و كل وطن و أسهم إلى حد بعيد في دعم العلوم و المعارف و صناعة القرار في مختلف البلدان و لكنه ظل أدبا حبرا على ورق أو ألفاظ تتناقلها الشفاه أو يتغنى بها أصحاب الأصوات الرديئة و الشجية ، بما أن بحثنا فن الشخصية التونسية المعاصرة و ما عانت من ويلات قد قادتنا إلى هذا العالم المتخيل شديد الالتصاق باليومي فلا بد إذا من:

إلقاء نظرة حول الشخصية في الأدب : عرض تاريخ الأدب المعاصر في تونس و بالأساس الرواية.

قراءة الشخصية التونسية من خلال أدب التسعينات.

الشخصية في الأدب:

لا شك بأننا بتطرقنا للشخصية التونسية من خلال الأدب نحاول المرة قراءة التونسي من خلال ما يرسمه التونسي عن نفسه و ما يراه حوله و فيه وو كيف يتصور مآسيه و أحلامه و كيف يمكن له أن يعبر من داخل الأزمة عن الأزمة.

أما الشخصية في الأدب فهي عالم معقد شديد التركيب و شديد الغموض. عالم متعدد تعدد الكتاب و غامض غموض ما يعتنقون و خيالي خصب أذهانهم ورؤاهم و لكن الشخصية في خاتمة الأمر التونسي اللحم و الدم حتى و إن اعتقدنا أن الأدب عبث و لكن الأديب لا يعبث لأنه يحترق لحما و دما لخلق تلك الشخصية المقنعة الكاذبة و الصادقة و الحالمة و الواقعية مهما كانت تلك الشخصية فهي الأنا و الأنت و النحن.

حول بالزاك أن يجعل من رواياته مرآة تعكس كل طبائع الناس الذين يشكلون المجتمع الذي يكتب له و عنه في الوقت ذاته بما كان فيهم من عيوب و بما كان فيهم من عواطف و بما كان في قلوبهم من أحقاد و بما كان في نفوسهم من شرور و بما كانوا يكابدونه من آلام و أهوال في حياتهم اليومية التي كانت و لم تبرح تفرض وجود كثير من العلاقات. (1)

إذن فتلك الشخصيات ليست في حقيقة الأمر إلا صور طبق الأصل لشخصيات واقعية حاول الكاتب أن يحدثنا عنها لإحساسه بآلامها و إيمانه بآلامها و ربما لأنها فرضت عليه أن يحييها في عالمه الخاص به.

إن الشخصية في الأدب من صنع الأديب لا محالة و لكنها فرضت عليه أيضا الحياة بما انه شاهد على آلامها و آمالها فهو مخير في إيجادها و مجبر على تتبع آثارها و ربما لا يختار نهايات أحداثها.

ربما كان يأمل الأديب أن ينهي مأساة شخصيته و لكن سير الأحداث رحل بشخصيته إلى حيث لا يشتهي و تراه غن مال إلى شخصيته تعسف على الأحداث و كسر عنق الرواية فتراه يسقط في الفوضى و التحيز الأعمى كمن يعيد للأعمى بصره لأنه أحس بألمه الشديد غداة فقدان نور الحياة و كمن صنع من غصن شجرة ساقا لبطله الذي قطع القطار ساقه.

الشخصية بين الحداثة و الأصالة:

إن الشخصية كانت بارزة إلى حد بعيد الرواية التقليدية و ذلك لأن الرواية الحديثة حاولت تهميش الشخصية و اعتبارها عنصرا عاديا ليس أهم من السرد و الحبكة و الزمان و الحيز و الحدث و اللغة و على ذلك فقد ذهب البعض إلى إطلاق حرف أو عدد على شخصيته إيهاما لنا بأنها لا تمثل له شيئا و لكن في حقيقة الأمر كانت تلك الشخصية (س) أو (7) محور العمل الأدبي جملة و تفصيلا و عليها يدور رحى العمل سردا و وصفا و حبكة و أحداثا و لكن أرى أن الرواية التقليدية انتصرت أن نبتت أمام ما يطلق عليه الرواية المعاصرة و هي شكل يحاول أن يوجد على حساب الرواية التقليدية و في حقيقة الأمر يحاول أن يعيش بالعبث بمفهوم الشخصية لا أكثر و لا أقل و لكن ما زلنا نرى أن أحدث الأعمال الروائية إلى يوم الناس هذا ما زالت تعتبر الشخصية نقطة مركزية في العمل الروائي.

إن الشخصية من منظور النقد الروائي التقليدي و الكتابة الروائية التقليدية معا كائنا حيا مسجلا في الحالة المدنية يولد فيعيش فيموت(2) إذن فالشخصيات كانوا يوما ما أحياء بشكل ما و في زمان ما و مكان ما و بحلم ما و بآلام ما و عليه فلا بد إذن من الاهتمام بالأدب التونسي المنتج في التسعينات باعتبار أننا اتفقنا على كون التسعينات مرحلة مفصلية في تاريخ الشخصية التونسية و لكن قبل ذلك لا بد من الإلماح إلى الملحوظة التالية كي نستطيع تتبع نسق البحث دون السقوط في الغموض.

شخصيات لا أشخاصا:  

سنحاول في هذا الفصل الصغير أن نبين الفرق بين '' شخص '' و '' شخصية '' و ذلك لسقوط كثير من النقاد العرب كما يقول الدكتور عبد الملك مرتاض في الخلط بين شخص و شخصية فالمشكلة إذن اصطلاحية و لكن آثارها ابعد من ذلك بكثير لتعدي معاني المصطلح غلى الموضوع الذي يتناوله، يرى الدكتور عبد الملك مرتاض أن المسألة محسومة في اللغات الغربية إن أن قولهم Personnage إنما هو تمثيل و إبراز و عكس و إظهار لطبيعة القيمة الحية العاقلة الماثلة في قولهم الآخر Personne بينما في اللغة العربية معرضة لبعض الاضطراب لأننا لو مضينا على تمثل الدلالة الغربية و فلسفة الاشتقاق في اللغة الفرنسية خصوصا لكان المصطلح هو '' شخصنه '' لا شخصية و ذلك على أساس أن الشخصنة مصدر متعد يدل على تمثيل حالة بنقلها من صورة إلى صورة أخرى(3) أما المنطق الدلالي للغة العربية الشائعة بين الناس يقتضي أن يكون الشخص هو الفرد المسجل في البلدية و الذي له حالة مدنية و الذي يولد فعلا و يموت حقا بينما إطلاق الشخصية لا يخلو من عمومية المعنى في اللغة العربية و عليه سنشتغل في هذه الدراسة على شخصيات متعددة و هي جمع لشخصية و لن نتعامل مع أشخاص جمع لشخص.

في الشخصية الأدبية:     

إن الشخصية هي قطب الرحى في العمل في العمل الإبداعي و هي التي تجمع حولها كل المكونات الأخرى و بدونها يفقد العمل الروائي روحه أو يمكن أن يسقط من الرواية إلى المقالة أو يرتفع إلى مناجاة شعرية أو يصبح شيئا آخر و لكن ليس عملا روائيا.

 إنها هي التي تصطنع اللغة و هي التي بثت أو تستقبل الحوار و هي التي تصف معظم المناظر و هي التي تتمتع بالخير و ترزح تحت نير الشرور و هي التي تنجز الحدث و هي التي تقوم بتضريم الصراع و تنشيطه فهي الإبداع و لكن مع وجود بقية المتممات أو لنقل الركائز.

إن الشخصية هي التي ميزت العمل القصصي أو الروائي عن باقي الأجناس الأدبية و قد صنعت لها تاريخا حيا مليئا بالأطوار حتى نراها اليوم متألقة متوهجة.

تاريخ الشخصية في الأدب العالمي:

لقد مرت الشخصية بثلاثة مراحل مهمة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن و لا يمكن أن نلتزم بالتاريخ المرحلي لنعتبر أن ما وصلت إليه أفضل مما انطلقت منه و ذلك لأن التجديد ليس دائما أفضل من القديم فربما يتميز عنه و ربما يجانبه و ربما يسير إلى جانبه و لا يلغيه.

المرحلة الأولى:

و هي تمثل مستوى التوهج و العنفوان و ترتبط بازدهارها الرواية التاريخية و الرواية الاجتماعية وخصوصا و لعل أكبر من روج لهذه الشخصية و صرفها مصارف لا حدود لها الكاتب الفرنسي بالزاك الذي كتب زهاء التسعين رواية نشط نصوصها أكثر من ألفي شخصية و ماشاه على ذلك جملة من الكتاب في الأدب الفرنسي نفسه مثل هكتور مالو و أميل زولا و غوستاف فلوبار ، و في الأدب الأنقليزي كافكا و في الأدب العربي نجيب محفوظ.

المرحلة الثانية:

ابتدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى فقد ألم بالرواية العالمية عهد الاهتزاز و التشكيك.( وثق النقل مع الإشارة إلى الرجوع إلى الكتاب لإتمام التاريخ ...لا يسمح هنا للضيق و الاختصار)

تاريخ الرواية المعاصر في تونس:

أ‌)       الرواية الأولى:

كان ظهور أول رواية في تونس سنة 1906 م وهي رواية "الهيفاء وسراج الليل" لصاحبها صالح السويسي القيرواني الذي بدأ نشرها تباعا بمجلة خير الدين وقد أعادت نشرها إحدى دور النشر بتونس في الثمانينات من القرن المنصرم وقد عارض الدكتور سيد حامد النساج هذا الرأي بقوله "ويخطئ من يظن أن الراية العربية في تونس صدرت قبل 1935 وعلى غير بد علي الدوعاجي القصة التونسية الحديثة بلا منازع" وقد عارض هذا القفول الدكتور أبو ريان السعيدي في كتابه من أدب الرواية في تونس[1] مستندا إلى ما استقر عليه البحث عند كل الدارسين التونسيين وفي مقدمتهم الكاتب العلامة محمد الفاضل بن عاشور[2] وقد كانت حجة الدكتور السراج في ذلك أن هذه الرواية "محاولة في الكتابة فقط لا ترتقي إلى مستوى المقال الأدبي     ناهيك عن القصة القصيرة وهي أبعد ما تكون عن الرواية ولو في بدايتها الساذجة الفاشلة غير الفنية"[3] والدكتور يعتبر "جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط " لعلي الدوعاجي أول عمل روائي في تونس غير أن الدكتور أبو زيان السعيدي يرى أن هذه "الجولة" ليست رواية أو قصة ولم يصنفها أحد من الدارسين في هذا الباب حتى كاتبها نفسه وإنما هي "ريبورتاج" صحفي لعدد من الأماكن الساحية الأوروبية.

ب‌)   تاريخ الرواية في تونس "نموذجيا":

يمكن عرض الإبداعات الروائية التونسية من خلال تقسيمها إلى العديد من النماذج التي تنتمي إليها وذلك للجروج من العرض التاريخي الرتيب الذي يعتمد التاريخ فقط.

حد النمذجة la typologie: تفيد "النمذجة" علم الأصناف البشرية منظورا إليها من وجهة نظر العلائق بين الخصائص العضوية والذهنية كما تعني علم تكون الأنماط"types" التي يمكنها أن تسهل تحليل واقع مركب من وجهة نظر أخرى عمل التصنيف la classification [4] .

قسم الدكتور بوشوشة بوجمعة الرواية في تونس إلى حدود التسعينات إلى :

1)    الرواية الذهنية:

يعود ظهور هذا النموذج الروائي إلى قبيل العقد الرابع من القرن المنصرم مع الأديب محمود المسعدي الذي يعود إليه الفضل في بذر لقاح الرواية الذهنية في سنوات الحرب الثانية وقد برز في هذا النموذج الروائي كل من مصطفى الفارسي في '' حركات '' 1978 و هشام القروي في نصّيه '' ن '' 1983 و '' أعمدة الجنون السبعة '' 1985 و فرج الحوار في '' النفير و القيامة '' 1985 و صلاح الدين بوجاه في '' مدونة الاعترافات و الأسرار '' 1985.

ب/ الرواية الوطنية:

و هي تؤرخ للمسيرة النضالية إبان الاستعمار الفرنسي أو تصنع أحداثا مستغلة الإطار التاريخي لعرضها فيه مستفيدة من الذاكرة الجماعية و الفردية لتلك الحقبة المريرة.

يمثل هذا النموذج كل من محمد العروسي المطوي في '' و من الضحايا '' 1996 و '' حليمة '' 1967 و '' التوت المر '' 1967 و سالم السويسي في'' يوميات  بطل '' 1967 و محمد صالح الجابري في '' يوم من أيام زمرا '' 1968 و عبد الرحمان عمار في '' حب و ثورة '' 1969 و عبد القادر بالحاج نصر في '' الزيتون لا يموت '' 1969 و محمد المختار جنات في '' أرجوان '' 1970 و في '' خيوط الشك ''  1972 و في '' نوافذ الزمن '' 1974 و محمد الصحبي الحاجي في الثائر 1970 و الحبيب بن سالم في '' وناس '' 1973 و محمد بن عاشور في '' البحث عن الأوراق '' 1974 و '' حب في المدينة العتيقة '' 1980.

ت/ رواية السيرة الذاتية:

لا يمكن اعتبار رواية السيرة الذالتية تجربة فردية فحسب و لكنها أيضا تجسيد لواقع موضوعي تفاعلت معه ذات الكاتب ماضيا و تأثرت به حاضرا فصاغته إبداعا و تعود التشكلات الجينية الأولى لجنس الترجمة الذاتية إلى الطور الذي أخذت فيه المدونات تأخذ طابعا سرديا و تخضع لنسق يقربها من الشكل الروائي خاصة أنها كانت تروم '' إظهار الشخص لقيمة '' (9).

يمثل هذا النموذج كل من مصطفى الفارسي في '' المنعرج '' 1966 و عبد المجيد عطية في '' المنبت '' 1967 و عبد القادر بن الشيخ في '' نصيبي من الأفق '' 1970 و محمد الحبيب براهم في '' أنا و هي و الأرض '' 1977 و محمد العابد مزالي في '' على مرقص الأشباح '' 1978 و عبد القادر بالحاج نصر في '' صاحبة الجلالة '' 1981 و علي سعد الله في '' اعترافات مراهق '' 1981 و زكية عبد القادر في '' آمنة '' 1981 و محمد سعيد القطاري في '' غيبوبة الأ رض'' 1983 و جمال الدين بوريقة في '' نسيج العنكبوت '' 1984 و اسماعيل بوسروال في '' كلانا في وجه العاصفة '' 1984 و حياة بن الشيخ في '' كان عرس الهزيمة '' 1992 و محمد العروسي المطوي في '' رجع الصدى '' 1992 و آمال مختار في '' نخب الحياة '' 1993.

ث/ الرواية الاجتماعية :

 إن الرواية الاجتماعية تحلل واقع مجموعة من الشخصيات ذات انتماء طبقي متنوع أو موحد لكي تبرز التناقض بين معطيات وضعها و طموحاتها و بذلك تكون الرواية الاجتماعية نقدية في هدفها تحليلية في بنائها متنامية في تطور أحداثها واقعية في شخوصها و زمنها و فضائها (10).

يمثل هذا النموذج كل من البشير خريف في '' إفلاس أو حبك درباني '' (1959) و '' الدقلة في عراجينها '' (1969) و محمد صالح الجابري في '' البحر ينشر ألواحه '' و محمد الهادي بن صالح في '' بيت العنكبوت '' (1976) و حسن نصر في '' دهاليز الليل '' (1977) و عمر بن سالم في '' واحة بلا ظل '' (1978) و محمد الهادي بن صالح في '' الجسد و العصا '' (1980) و محمد الباردي في '' مدينة الشموس الدافئة '' (1981) و محمد الهادي بن صالح في '' الحركة و انتكاس الشمس '' (1982) و عمر بن سالم في '' دائرة الاختناق '' (1982) و محمد الباردي في '' الملاح و السفينة '' (1983) و عمر بن سالم في '' أبو جهل الدهاش '' (1984) و محمد الباردي في '' قمح افريقية '' (1985) و محمد الهادي بن صالح في '' الناس و الحجارة '' (1988) و عمر بن سالم في '' الأسد و التمثال '' (1989) و محمد الهادي بن صالح في '' كلب السبخة '' (1990) و '' من حقه أن يحلم '' و '' ألق التوبة '' و غيرها من النصوص الروائية.

أدب التسعينات:

أدب التسعينات متميز حقا تميز تلك المرحلة الحرجة لا من حيث الإبداع و التفوق و لكن من حيث الإرباك في رسم الشخصيات و طغيان الرمزية و العجائبية على كثير من الأعمال إنك تشعر أنك تقرأ أدبا متوترا يمكن أن يشعرك بالأزمة حتى في الفرح.

إنه أدب لا يطرح حلولا و هو يهرب إلى الأبعد في رسم الشخصيات و يحاول جاهدا ألا يتورط في رسم الأحداث ، لأن الكاتب ليس محايدا و لا متفرجا بل هو دائما جزء مما يكتب و هو يتألم مع الآلام التي يرسمها و يحاول الفرح مع الفرح الذي يرسمه على الوجوه.

الأديب في التسعينات أثرت فيه الأزمة كما أثرت في الأطباء و المهندسين و الإداريين و العاطلين عن العمل لأنه جزء منهم يأكل مما يأكلون و يشرب مما يشربون و هو ليس أفضل منهم حالا في أي شيء بل إنه يشعر بالأزمة أكثر منهم لأن مهنته الكلمة و الكلمة كانت مستهدفة في التسعينات بل مطلوب رأسها إذن فقد كان الأديب يشقى بشقاء الآخرين مرتين مرة كمشاهد فاحص و ناقد خبير بمواطن الألم و مرة أخرى لأنه محروم من نقل تلك الآلام و تسجيلها.

إنه كذلك سجين السائد العام خطأ كان أم صوابا '' فعقل الكاتب يتكيف في اختياره مع أنماط السلوك الايجابية و السلبية التي يبحث عنها و هذه الأنماط و إلى حد ما موقفه منها لا يقررها هو بقدر كونها مقررة له فالصالح و الطالح و التقليدي و غير التقليدي تبسيطات مشوهة لما هو كائن أو جاز فعلا و لذلك إذا كانت إحدى الشخصيات غير عادية فإنها بالنسبة إلى الكاتب يجب أن تكون غير عادية بدرجة قابلة للقياس و بإحدى الطرق العادية'' (11).

قد يعتقد البعض أن هذا الكم الهائل من الورق و الحبر مضيعة للوقت أو لنقل قد خلق للتسلية و لكنه ينسى أن العقل الذي أبدع ذلك عقل متألم يحاول جاهدا أن يقول شيئا يحاول أن يبلغنا فكرة أو رأيا ربما و ربما مجازيا إذا كان بينه و بين الواقعية أبواب موصدة و قلاع و حصون.

يلجأ الأديب إلى الرمزية من باب الحاجة و من باب الإبداع و الإبداع لا ينافي الحاجة و الحاجة لا تنافي الإبداع و كذلك يلجأ إلى العجائبية لكن المضمون واقعي إلى أبعد الحدود فنفس المشاكل التي يعيشها ذلك الغول هي عين المشاكل التي عاشها زيد أو عمرو و في نفس تلك المرحلة و لكن لا يسمح في تونس التسعينات بتسمية الأشياء بمسمياتها في الأدب و في غير الأدب.

الرواية لصيقة بالإنسان مهما بدت معالمها باهتة و شخصياتها قليلة الحركة و الطموح و الأحلام و قصتها تهويمات و خرافة فالرواية جزء من هذا الألم العام حاولت أن تنقل الواقع تماشيا مع الرفض للسائد العام الرفض المقنع أو الخجول أو الطامح للثورة دون ذكر للثورة في النص طبعا.

الرواية ليست فنا صرفا فلا بد لها من موضوع ذي صلة مهما تكن باهتة بالعالم الذي نعيش فيه و نعرفه بحواسنا و الموضوع لا بد من أن يعالج سلوك الناس الذين يتصرفون و يشعرون و يفكرون في الزمن و يخضعون لجميع تقلباته و تنوعاته و تغيراته و كل فرد في القصة كما هي الحال في الحياة يحمل على عاتقه نظامه الخاص للزمن بمعنى أوسع مما قصده آينشتاين (12).

لم نر في التسعينات مبدعين كما أنه لا يوجد في تونس '' الأدب '' عموما مبدعون و ذلك لأن الرواية مازالت نخبوية إلى أبعد الحدود و نحن نشهد أزمة نص و أزمة متلق كما صار يطرح الآن علنا.

أزمة نص من حيث التقنيات التي تشعرك بالانتكاسة و الردة و محاولة التجديد و لكن يرمى كل السالف في القمامة و إن كان السالف هو قاعدة البناء فقد شهدنا أخيرا بنية روائية بلا قواعد و أزمة متلق و ذلك لعزوفه عن المطالعة لعدة أسباب لعل أبرزها:

- عدم اهتمامه بالمطالعة من حيث المبدأ لدخول العديد من الوسائط المعرفية المنافسة للقراءة

- الترويج السيء و غلاء سعر الكتاب

- عدم اهتمام وزارة الثقافة بالكتاب لغاية معلومة و واضحة و قد نجحت في إبعاد العامة و جمهرة عظيمة من النخبة عن القراءة .

- جمود كثير من النصوص

- سقوط كثير من الكتاب في الرداءة رغم رصيدهم التاريخي الابداعي و ذلك لأنهم عرضوا أقلامهم للبيع ففقدوا الاحترام.

- جمود مؤسسة اتحاد الكتاب التونسيين الممثل الشرعي و الوحيد للكتاب المحترفين و سقوطه في الرداءة إدارة و إبداعا.

نماذج من أدباء الأزمة:

سنحاول مساءلة بعض الرواد من خلال شخصيات رواياتهم حتى نتأكد من صدق الملاحظات التي سبقت قبل و عندما نتأكد من كون تلك المرحلة كانت مرحلة الأزمة لا يعني البتة أننا أغفلنا البحث عن جوانب الإبداع فيما كتبوا فمن قال أن أدب الأزمة هو أدب الرداءة ألم تخرج السجون كثيرا من المبدعين ، إننا سنحاول قراءة الواقع من خلال الكتابة الأدبية آملين أن نضع أيدينا على المناطق الحساسة لاعتقادنا أن الأزمة طالت كل سن في تونس ما دامت قد طالت الشخصية التونسية، سنختار من هؤلاء الدرغوثي و محمود طرشونة.

الدرغوثي:

عندما تقرأ لإبراهيم الدرغوثي تدرك أن الرجل يريد أن يقول لكنه يفضل الكتابة في زمن لا يؤمن بالمواجهة.

التجأ الرجل القادم من رحم التراب الأسود و من شبق الموت اليومي تحت '' الداموس '' إلى الصدمة '' الوقحة '' المغلفة بعجائبية هوجاء تلقي بك في ظلال الشك و التساؤل ، '' هل يدرك الرجل ما يقول ؟''.

الرجل الأسمر بن التراب الأسود يرفض أن يقول كل شيء هل لأنه لا يدرك كل شيء و لكن هل يوجد في تونس مثقف لا يدرك كل شيء؟

يحاول الرجل أن يسمي الماء بغير اسمه لا جهلا و لا سفها لكننا ندرك و يدرك أننا ندرك و لكن هل ألجأ الإبداع إلى ذلك أم أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؟

في رواياته المتعددة يكاد الرجل أن يكون سياسيا بامتياز و لكنه يبرأ من لعنة السياسة و هو يلقي بالعته و السفه و الخرافة على شخصياته الحالمة المتألمة.

إن الرجل يحاول أن يستفزنا عن قصد ، و لكن هل حقا وعينا جيدا ما يريد؟

 عندما تضع شخصياته المخلوقة من طين الحرف أمامك و تسائلهم يصمتون و على غير العادة يفضلون العيش في عالمهم العجيب لأن الواقعية في تونس يجازى عليها بالمنع و التحجير و الحجز (13).

إن من المؤلم حقا و أنت تتابع التجارب شبه النقدية في تونس ترى أن النص النقدي عبارة عن تلخيص رديء للنص الروائي يفقده روحه و معناه تضاف إليه بعض الملاحظات و عليه فسنحاول قراءة لنص الدرغوثي بتجاوز النقد السردي إلى مساءلة الشخصيات بأسلوب جديد علنا نصل إلى ما نريد.

وراء السراب قليلا : (14)

في رواية وراء السراب قليلا تختلط الشخصيات بالأحداث في عالم غير متناسق عالم تسوده الخرافة في تركيبة الشخصية وصنع الحدث غير أن تلك الأرواح الحية و الأولياء الفاعلين و الأحداث الغريبة ترتبط ارتباطا وثيقا بالهم اليومي لابن المناجم في التسعينات ، فثورة العبيد توق جديد لتلك الذاكرة الشعبية الحية التي روت '' فرسان '' الباي الذي أمر بتحرير العبيد و إبطال الرق و لكن كيف لهذا الباي أن يمنحنا الحرية بفرمان ؟ سؤال يوجه إلى الدرغوثي فأشباحه و '' سودانه '' هم أولى بالثورة كي يفتكوا من الباي حريتهم و إلى متى يؤرق أبناء الفسفاط تلك الثروة التي ما نالوا منها إلا الموت و ضنك العيش ، يقول الهادي الغابري :'' تتجلى ملحمة القيد و الحرية في رواية وراء السراب قليلا من خلال فك قيد العبيد التونسيين و تمكينهم من حرياتهم تامة " قال عمي : ناديتك يا شيخ العبيد لأعلمك بفرمان الباي الذي يطلب فيه الأسيد تحرير عبيدهم و يمنع فيه تحت طائلة الحبس الرق و تمليك النفس البشرية لغير الله" و من العجب أن لا يقبل العبيد الفرمان التحرري فيرفضون الانعتاق و يتوقون إلى العبودية " لكن العبيد لم يبرحوا المكان و عادوا إلى اللغط و الهياج و صاح شيخهم قل لسيدك أن لا حاجة لنا بحريته و اطلب منه أن يسمح لنا بالعودة إلى أسيادنا'' (15).

في الحدث و شخصياته و هو جزء من الرواية التي تطرح العديد من المشاكل الأخرى لا يمكن التطرق إليها جميعا أبعاد متناقضة و ربما متناسقة ، هل الحرية ينتظرها العبيد كي توهب لهم ''بفرمان '' من الباي العظيم أم هي حق يسترد بالقوة ما دام قد أخذ بسلطة السيف و هل حقا أن الحرية التي يهبها الباي للعبيد سيكون مآلها الفشل للعديد من الاعتبارات لعل من بينها عدم أهلية العبد كي يكون حرا كما تقول بعض الأنظمة الديكتاتورية بأن شعوبها غير مؤهلة للديمقراطية و لا بد للتعامل معها بسياسة '' الديمقراطية قطرة قطرة '' بهذا الطرح الواقعي المفضوح نعاود التأكيد على ما أسلفنا تقديمه من كون العجائبية ليست بالضرورة نقيضا للواقعية بل هي شكل من الأشكال التي يسمح بها النص و شكل من الأشكال التي يسمح بها الواقع السياسي كذلك.

عندما ذكرنا سابقا أن شخصيات أدب التسعينات شخصيات تحتاج إلى عالم نفس لا إلى ناقد لم نكن مأساويين إلى أبعد الحدود و لكن كان هذا الألم حقيقة مرة نحاول جاهدين أن نجاهر بها علّ من يدركها يرشد الباقين إلى '' وثبة '' فأل و أمل.

1)    سعد الشوشان عند رجوعه إلى الصحراء و دخوله متاهة البحث عن أجداده تحت التراب استبدت به أحاسيس متناثرة و متداخلة.

- إنها غرابة الحقيقة الإنسانية عند صراع الذات مع الوجود العنيد و مخاتلة الموت للحياة و استدعاء الماضي للحاضر و محاولة استنطاق الجماد و البحث الدائم عن ابتسامة تمثال خشبي يفني صانعه قبله أو إخراج جثة و إركابها صهوة حصان يسابق الريح العاتية نحو الجنوب.

- إنه بلا شك جنون الوعي بالحاضر و استحضار اللاوعي الجميل في الماضي التليد (16).

2) الأم:

كيف يكون حضن الأم باردا أحيانا كالثلج و كيف لزوجة الأب المقتول أن تحب '' ربيبها '' و كأنه عشش داخل رحمها المهترىء (17).

3       ) السودان:

- يعانقون التراب الأسود معتقدين بأنه ذهب لكنهم يعيشون بذلك الجهل بينما يدرك الأجنبي حقيقة ذلك التراب.

        - الأجنبي سعيد بمعرفته و السودان يشعرون بجهلهم و لكن من يا ترى المالك الحقيق لهذه اللعنة '' الفسفاط ''؟ يلامس العجائبي في الرواية الخلقة و الأخلاق و ظاهر و باطن الشخوص لاستجلاء الحقائق عبر الوصف المكثف ليكون العجيب حيّا ناطقا بشيء بأن حالة غير طبيعية قد حدثت أو هي في طور الحدوث و قد جاء العجائبي في الرواية وفق كتابة سردية تكسر الحدود بين الأجناس الأدبية كما تكسر الزمن و تخلطه بين الماضي و الحاضر و المستقبل (18).

صلاح الدين بوجاه:

لعل صلاح الدين بوجاه كان الأكثر وعيا بالأزمة أو كان .الأكثر ملامسة لها أو لنقل حاول أن يذهب إلى الألم و يمسك به  أو يعظه حتى يصرخ هذا الوطن المريض ويعلن ألمه دون مواربة ففي روايته النخاس يقحم بوجاه صاحبه في أتون معركة لم تصنعها يداه فالرجل جال البلاد طولا وعرضا فلم يجد فيها ما يدعو للحياة لماذا إذا يبقى رهين الموت  .

إن النخاس محاصر بواقعه الأجوف  ومحاصر بأوروبا القريبة الطاغية في كل شىء حتى في الحرية

أما ما تحت الأرجل فمصانع بلا دخان  وحضارة في العقول كخيوط العنكبوت توهمك أنها بيت وهي ليست بيتا وإن سلمنا أنها بيت فهي بيت لعنكبوت .

النخاس ''كان قد جاب البلاد طولا وعرضا فعرف الطرق الكبرى و الدروب المتربة الخفية رأى الناس و الأشجار و العشب و المطر والوهم  وفهم أن هذه البقعة من الأرض تغير ثوبها و تولد نيرانها في مهد رمادها القديم نهاية هده الألف الثانية عجيبة فالمصانع قليل دخانها باهت لونها والأزمات جمة هائلة لكن الأمر قد بلغ الأوج أو كاد فالعيون أكثر ثباتا  والسواعد وترها التحدي إفريقيا هنالك في الجنوب وأروبا قريبة طاغية والتاريخ والحضارة بخيرهما و شرهما حاضران مادة أولى طبعة أو صلبة حسب الفصول والأوقات مادة أولى للحضارة والأمل والإخفاق و الموت و الحياة داخل حقل صغير حقل من الوهم والخبر والنشر إسمه تونس "(19) وكأني بالنخاس تونسي لحما و دما لا ورقا وحبرا فالرجل ينقل لنا تونس التسعينات  تونس الأزمة الثقافية  كما صورناها نحن في هذه الدراسة أو صورها كل دارس فاحص صادق إذا فالرجل ابن الأزمة الثقافية بامتياز ابن انسداد الأفق وابن وهم المعجزة الاقتصادية فالرجل ابن وهم الضفة الأخرى من المتوسط لأن أرض الأجداد ليست أرض مستقر ولكن هذه السفينة والرحلة إلى الضفة الأخرى بسبب أو بدون سبب  الحل مرة أخرى  يحاول أخذ الكتاب التونسيين

.أن يحيد بمسار الحدث ويبدع في رسم الواقع لكنه ينحرف بشخصيته فعوض أن يرفض النخاس الإغراء بالسفر و يبقى  في أتون هذه الأزمة  يبقى ليحاول النفخ في مواقد المصانع من جديد يبقى

ليساهم في الدفع بالأزمة إلى منتهاها حتى نقرب الفجر المرتقب القادم على مهل  نرى أن بوجاه يغمز إلى شخصيته بطرف خفي كي يرحل ويترك تونس يتركها لمن   أيتركها للعسس وجامعي القمامة .

إن الشخصيات الرئيسية في أدب التسعينات وبكل أسف كانوا مرتهنين عند صانعيهم ولم يتركوا لهم حرية التعبير عن الرفض ربما بسبب خوف الصانع  من البطش والإرهاب أو وهم البطش     أ وربما لإيمان المبدع ابن التسعينات ألا حل في الأفق ويكفيه المساهمة بالقول "أنه توجد هنا أزمة " .

ثم لماذا كان بطلك يا بوجاه نخاسا هل الحل في تونس لا يكون إلا على أيدي النخاسين أولائك الذين يبيعوننا صباحا و مساءا يوهم أننا لسنا أحرارا  أملأن النخاس مع الإتحاد السوفياتي أحمرا دمويا ويعد السقوط أمبرياليا  بامتياز هل بطلك حقا كان نخاسا أنا شخصيا مؤمن أن بطلك كان أقوى منك فلم يحاول أن يتاجر لا به ولا بنا  ولا بك أيضا أتعلم لماذا لأن نخاس بوجاه كان تونسيا بامتياز .

صحيح أن النحاسين في تونس كثر ولكن يجب أن لا نضيف إليهم فعل الوعي لأنهم كانوا يبيعوننا عبر التاريخ وفي الحاضر هم بيننا  نعرفهم و يعرفوننا ولا يستحون من فعالهم  فالله " أحل البيع و حرم

الربا " .حاول بوجاه أن يضع صانع النخاس في السفينة التي نرفضها من حيث المبدأ لأن الحل هنا وليس وراء البحار  وربما لا يكون الحل في السفينة دائما لأنها إن رمزت إلى السلام فربما ليس الحل دائما بالسلام  فربما تكون الثورة هي الحل وإن دلت السفينة  على طوفان نوحا فنحن لا نتمنى أن يعم بلدنا الطوفان لأن هذه الأم تونس أرحم من أن يبتلعها الموج فتاريخيا مهما تعمقنا في الأزمة كان الحل قريبا في السفينة شخصيات متعددة متناقضة تشير إلى تعدد التونسي وتنوعه والحق يقال لأن التونسي متنوع ومختلف لكن نقاط الألتقاء بين أفراده كثيرة وأهمها  طيبته وللأسف هي أحقر صفة فيه لأن تلك الصفة الأخلاقية الراقية صارت على مر الهزائم" ضعفا"و"مسكنة" .

يضع بوجاه السفينة ومن فيها في وهم صراع حضاري '' ثقافي '' .

و الحق أن بوجاه حاول أن يبدع في الحاق النخاس بالمؤلف "تاج الدين" و لكنه للأسف على عادة التونسي يحاول دائما ألا يتحمل مسؤولياته في الجد و الهزل و خاصة في مصير هذا الوطن.

أتاج الدين كان أكثر وعيا بالنخاس فحاول أن يهاجر به إلى إيطاليا أم أن بوجاه كان ابن التسعينات بامتياز ففر من مسؤولية تبعات مواقف النخاس.

نم قرير العين يا دكتور في مدارج الجامعة التونسية فلن يكون التونسي نخاسا و لسنا في حاجة إلى تاج الدين كي يتحمل عنا مسؤوليات القول و الفعل و لسنا في حاجة إلى السفينة لأننا لن نرحل من هذا الوطن المضرج بالألم بل يجب أن نرحل الدخلاء و في الأخير شكرا لك حضرة الدكتور لأنك كتبت عندما فضل غيرك النوم تحت الشمسية على شاطىء الحمامات و النخب تتجرع كؤوس الموت في سجن 9 أفريل المركزي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  نشر الشركة التونسية للتوزيع

[2]  في كتاب الحركة الفكرية والإسلامية في تونس

[3]  ص 82 و83 من "من أدب الرواية في تونس لأبو زيان السعدي"

[4]  ص 26 من مباحث في رواية المغرب العربي لبوشوشة بوجمعة منشور 1 –سعيدان- سوسة

Par hamselhorria.over-blog.com - Publié dans : كتب
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Présentation

Créer un Blog

Recherche

Calendrier

Juillet 2014
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31      
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus